في كل سنة، ينتظر التلاميذ وأسرهم الامتحانات الإشهادية باعتبارها محطة لتقييم ما اكتسبوه من معارف ومهارات خلال مسارهم الدراسي. غير أن بعض المواضيع تخرج أحيانا من هذا الإطار البيداغوجي الصرف لتثير أسئلة أخرى تتجاوز اللغة والمعرفة إلى مجال القيم والاختيارات الفكرية، وهو ما حدث مع موضوع امتحان اللغة الفرنسية بالامتحان الجهوي بجهة الشرق.
فبعيدا عن مضمون النقاش المرتبط بمكانة المرأة أو المساواة أو توزيع الأدوار داخل المجتمع، يظل السؤال الجوهري هو: هل مهمة الامتحان أن يقيس قدرات التلميذ اللغوية والتعبيرية والحجاجية، أم أن يدفعه بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تبني موقف معين تجاه قضية مجتمعية مطروحة للنقاش؟
المؤسسة التعليمية مطالبة قبل كل شيء بتعليم التلميذ كيف يفكر، لا ماذا يفكر. والفرق بين الأمرين جوهري. فحين يتحول موضوع الامتحان إلى حامل لموقف قيمي أو اجتماعي محدد، فإن الخطر يكمن في شعور المتعلم بأن هناك جوابا مرغوبا فيه أكثر من غيره، وأن المطلوب ليس فقط بناء حجة متماسكة، بل الاقتراب من تصور معين يعتقد أنه الأكثر قبولا لدى المصحح أو المؤسسة.
لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن موقف محافظ أو حداثي، ولا بالانتصار لهذا الطرف أو ذاك في نقاشات المجتمع. فهذه النقاشات مشروعة وتجد مكانها الطبيعي في الفضاء العمومي وبين الفاعلين السياسيين والثقافيين والحقوقيين. أما الامتحان المدرسي، فيفترض أن يظل فضاء لقياس الكفايات لا لتوجيه القناعات.
ومن حق التلميذ أن يدافع عن أي رأي ما دام قادرا على دعمه بالحجج والمنطق واللغة السليمة. بل إن القيمة الحقيقية للتربية الحديثة تكمن في قدرتها على احتضان الاختلاف واحترام تعدد وجهات النظر، لا في إنتاج أجوبة موحدة أو مواقف جاهزة.
إن المدرسة التي نريدها ليست مدرسة للتلقين، بل مدرسة للتفكير الحر. والمدرسة التي تؤمن بالتعدد لا تخشى اختلاف الآراء بين تلامذتها، بل تعتبره دليلا على حيوية المجتمع وقدرة الأجيال الجديدة على بناء قناعاتها بنفسها.
ولهذا فإن الجدل الذي أثاره موضوع الامتحان لا ينبغي أن ينحصر في مضمون القضية المطروحة، بل في سؤال أعمق يتعلق بحدود الدور التربوي للامتحانات الإشهادية. فهذه الأخيرة مطالبة بأن تظل وفية لوظيفتها الأصلية: تقييم المعارف والكفايات والقدرات التحليلية والتعبيرية، بعيدا عن أي انطباع قد يوحي بأن المؤسسة التعليمية تتبنى موقفا معينا وتسعى إلى تمريره عبر أسئلة الامتحان.
ففي النهاية، ليس المطلوب من المدرسة أن تصنع نسخا متشابهة من التلاميذ، بل أن تخرج إلى المجتمع مواطنين أحرارا قادرين على التفكير والنقاش والاختيار، دون وصاية فكرية أو توجيه مسبق لقناعاتهم.

