المغاربة !

بواسطة الثلاثاء 12 سبتمبر, 2023 - 06:35

تدخل إلى سوق تجاري لكي تتبضع لوازمك، فتجد نفسك تبكي.

هل في الأمر أي عجب؟

نعم، بل هو العجب كله.

يوم الأحد الماضي كان المغاربة كلهم، في كل أنحاء المغرب، يشترون لوازم “الدار الكبيرة” التي تجمعنا، لا”الدار الصغيرة” التي يقفل كل واحد منا بابها عليه، لإخوانهم منكوبي الزلزال.

كان الشعب يقتني لأهله مايحتاجونه، وكنت ترى أناسا عاديين، لا أثر لثراء فاحش عليهم، يتركون فيصناديق أداء المتاجر الكبرى مبالغ تتراوح بين 3000 و 6000 درهم، أغذية ومشروبات وبضائع أولية ضرورية، كانت تصعد فور الخروج من المتجر إلى شاحنات تنقلها إلى الحوز المكلوم.

لم يطلب أحد من أحد القيام بذلك.

قام المغاربة فقط بمايسمونه في لغتهم ب “الصواب الواجب”، نحو أنفسهم، نحو أهلهم، نحو جزء منهم، أحسوا به وقد تلقى الضربة التي لانريدها أن تكون قاضية، ولن تكون.

تمسح دموع تأثرك وتغادر المتجر، فتجد طوابير الدم لاتزداد إلا إصرارا على الوقوف حتى القيام بالواجب كله: منح قطرات من دماء الناس للناس عساها تنقذ المحتاج إليها من الناس.

يظهر لك المعدن المغربي الأصيل، الذي تعرفه وتؤمن به، وتظل تكتب يوميا أنه هو الأصل، وأن البقية من السلوكات مجرد تشوهات عابرة سطحية لايمكن أن تكون معيار الحكم على الناس هنا أبدا.

متى يظهر المعدن النفيس؟

لحظة الجد، ولحظة الحسم، ولحظة وصول التأثر إلى أقصى مراحل تأثره حد تخلصه من كل الشكليات والمظاهر التمثيل الكاذبة، واكتفائه بالحقيقة الأولى: حقيقة الأصل الطيب الثابت فينا، الكائن داخلنا منذالبدء وحتى الختام.

هو أفضل عزاء تلقيناه في المصاب الجلل العظيم الذي مسنا الجمعة: شعبنا أمسك قلبه بين يديه، وقدمه هدية للوطن، وقال “يموت الأفراد ويبقى المغرب حيا،

تنهار الجبال على رؤوس الناس، ويبقى المغرب واقفا،

ندفن موتانا بكل حرقة وألم ويبقى المغرب قائما إلى النهاية”.

كتب المغاربة، ويكتبون حاليا سطرا ذهبيا جديدا من أسطر كتابهم الأكبر المسمى “المغرب”، يعطون به الدليل مجددا على أنهم “أمة المغرب”، و “دولة المغرب”، التي وجدنا من سبقونا يغنون لها عن سابق تجربة واقتناع، وأنهم لم يظهروا فجأة، ولانبتوا من عدم.

هذه العراقة فينا أصل ثابت يجعلنا لحظة “المعقول” غير قادرين إلا على الصعود إلى الأعلى لكي نلقن الكل الدرس المغربي تلو الدرس المغربي، ولكي نعلن على رأس الأشهاد أن هذا الشعب الطيب البسيط هو فعلا أغنى شعوب الأرض قلبا وأصلا وانتسابا ثابتا لوطن يسري فينا جميعا مسرى الدم في العروق.

يجب أن يقرأ أصدقاؤنا في العالم كله، الذين يمثلون دور المستغرب لرصانة المغرب وتعقله وحكمته في التعامل مع المساعدات الدولية، هذا السطر الذي يكتبه المغاربة بكل هذا الصدق الآن.

إذا استطاعوا قراءة هاته فقط، سيفهمون بسرعة أن هذا البلد لديه أنفة وعزة نفس وإيمان بالذات، وبقية صفات تفرض عليه التسلح بالحكمة والتعقل والهدوء حتى في أحلك اللحظات وأقساها.

هذه المغربية، وهذا المغربية كبيران حتى في اللحظات التي يعتقد فيها من لايعرفهما أنهما سينهاران.

هذه المغربية وهذا المغربية هما الآن هنا، لأن أجيالا من المغربيات والمغاربة سبقوهم إلى بناء الإنسان في قلب المكان، وبناء المكان في قلب الإنسان منذ قديم السنوات والعقود والقرون.

لذلك لايتزحزح المغرب أبدا. قد تهزه هزة غادرة، وتترك على الجبين منه، وفي دواخل القلب أثر ألم صعب النسيان، لكنه لايتزحزح عن مكانه شبرا واحدا. لماذا؟

لأن وتد الثبات فيه ولديه وداخله يسمى بكل بساطة…المغاربة.

آخر الأخبار

النقابة الوطنية للصحافة المغربية تنعي وفاة الزميل جمال زيد
نعي الكاتب والصحفي جمال زيد في ذمة الله ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعي النقابة الوطنية للصحافة المغربية وفاة الزميل الكاتب والصحفي جمال زيد، الذي وافته المنية بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء، كرسها لخدمة الصحافة المغربية والدفاع عن قيمها النبيلة. لقد كان الفقيد، رحمه الله، صحفيًا مهنيًا مشهودًا له بالكفاءة والاستقامة، جمع […]
محمد الطالبي يكتب: عذَّب جمالُ قلبي عندما اختار الرحيل
هكذا يأتي الخبر… باردًا، موجعًا، كأنه يقتلع شيئًا من القلب قبل أن يستقر في الذاكرة.جمال زايد رحل.رحل أخٌ وصديقٌ وزميلٌ، ورحل آخر البوعبيديين، كما كنت أحب أن أناديه، لأنه لم يكن مجرد منتمٍ إلى مدرسة عبد الرحيم بوعبيد، بل كان واحدًا من آخر الحالمين بقيمها، والمؤمنين بأن السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع، وأن الإنسان […]
الأحداث المغربية تنعى الزميل الكاتب والصحفي جمال زايد
ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى أسرة جريدة الأحداث المغربية ومجموعة غلوبال ميديا هولدينغ الزميل الكاتب والصحفي جمال زايد، الذي انتقل إلى جوار ربه، بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء والإخلاص والتفاني في خدمة الصحافة. برحيل جمال زايد، تفقد الأسرة الإعلامية المغربية قلما رصينا، وصحفيا مشهودا له بالكفاءة والمهنية العالية، عرف بين زملائه […]