بقلم الشيخ الصادق العثماني
ليس من السهل أن نُقارب الخطاب الذي تروّجه بعض التيارات السلفية المعاصرة دون قدر من الصراحة العلمية والإنصاف المنهجي، ذلك أن هذا الخطاب يتلبّس لبوس الدعوة إلى “الرجوع إلى السنة”، وهي كلمة حق لا يختلف حولها مسلمان، غير أن الإشكال لا يكمن في الشعار المرفوع، بل في المآلات التي يُفضي إليها، وفي المضامين التي تُمرَّر من خلاله، حتى صار في كثير من الأحيان تجسيداً دقيقاً للمقولة الخالدة: كلمة حق أريد بها باطل.
إن الدعوة إلى السنة، في أصلها، هي دعوة إلى المصدر الثاني من مصادر التشريع، وإلى البيان النبوي الذي يُفسّر القرآن ويُنزّله على واقع الناس. غير أن هذه الدعوة حين تتحول إلى أداة لهدم الفقه الإسلامي، والطعن في المذاهب المعتبرة، واتهام علماء الأمة عبر قرون طويلة بالضلال أو الغفلة، فإننا نكون أمام انحراف منهجي خطير، لا يهدد مجرد منظومة معرفية، بل يهدد تماسك الأمة ومرجعيتها العلمية.
فالفقه الإسلامي ليس كياناً منفصلاً عن السنة، ولا بديلاً عنها، كما يُروَّج في بعض الخطابات المعاصرة، بل هو ثمرة تفاعل عميق بين النص والواقع، بين الوحي والعقل، بين الثابت والمتغير. إنه الجهد البشري المنضبط لفهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها وفق قواعد أصولية دقيقة، راكمتها عقول جبارة، وأشرفت عليها أجيال متعاقبة من العلماء، حتى تشكّل ما يُعرف اليوم بالمذاهب الفقهية .
إن الزعم بوجود تعارض بين “السنة” و”الفقه” هو في حقيقته مغالطة منهجية، لأن الفقه ليس إلا فهماً للسنة، وتطبيقاً لها في سياقاتها المختلفة . فكيف يُتصوَّر أن يكون الفقه في مواجهة السنة، وهو الذي نشأ أصلاً لخدمتها؟ وكيف يُعقل أن يُختزل الوحي في قراءة فردية معاصرة، ويُطرح الفهم الجمعي للأمة جانباً، وكأنه لم يكن؟.
إن من أخطر ما في هذا الخطاب السلفي المعاصر أنه يُغري العامة والبسطاء بشعار “اتباع الدليل”، في حين أن الدليل نفسه لا يُفهم إلا بأدوات علمية معقدة، من معرفة باللغة، وأسباب النزول، وناسخ ومنسوخ، وقواعد الترجيح، ومقاصد الشريعة. فليس كل من قرأ حديثاً صار قادراً على استنباط حكم شرعي، وإلا لكان الدين فوضى، ولكان كل إنسان مفتياً لنفسه ولغيره .
لقد أدرك علماء الأمة منذ القرون الأولى خطورة هذا المسلك، ولذلك وضعوا علم أصول الفقه، لا ليُعقّدوا الدين كما يُدّعى، بل ليحموا النصوص من العبث، ويضبطوا عملية الفهم والاستنباط. فالأئمة الأربعة، ومن سار على نهجهم، لم يكونوا مجرد ناقلين للنصوص، بل كانوا فقهاء مجتهدين، جمعوا بين حفظ النص وفهمه، وبين مراعاة مقاصده وتنزيله على الواقع.
إن الفقه، في جوهره، هو تعبير عن مقاصد الشريعة، تلك المقاصد التي ترمي إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وإقامة العدل، ورفع الحرج، وتحقيق المصلحة. وهذه المقاصد لا يمكن إدراكها من خلال قراءة سطحية للنصوص، أو من خلال تجزيء الأدلة، أو إغفال السياقات التاريخية والاجتماعية التي نزلت فيها.
ومن هنا، فإن كل دعوة تُقصي الفقه وتُشيطن المذاهب، إنما تُقصي في الحقيقة هذا البعد المقاصدي العميق، وتُحوّل الشريعة الإسلامية إلى مجموعة من النصوص المجتزأة، التي تُفهم خارج سياقها، وتُطبّق دون اعتبار لمآلاتها. وهذا ما يُفضي في كثير من الأحيان إلى التشدد والتطرف والتكفير، أو إلى التناقض، أو إلى الإضرار بمصالح الناس، وهو ما يتنافى مع روح الشريعة وغاياتها .
ولعل من أوضح الأمثلة التطبيقية التي تكشف خطورة القراءة الحرفية المعزولة عن الفقه والمقاصد، حديث: «إذا لقيتم اليهود في الطرقات فاضطروهم إلى أضيقها»، الذي رواه أبو هريرة في صحيح مسلم. فهذا الحديث، إذا أُخذ بظاهره المجرد، قد يُفهم على أنه دعوة عامة لإيذاء غير المسلمين والتضييق عليهم في كل زمان ومكان، وهو فهم يتبناه بعض المتحمسين الذين يرفعون شعار “السنة وحدها”.
غير أن الفقهاء، ومنهم الإمام النووي، لم يفهموا الحديث على هذا النحو، بل قيّدوه بسياقه التاريخي والسياسي، وبيّنوا أنه لا يُراد به الإطلاق، ولا يجوز أن يُتخذ ذريعة للظلم أو الاعتداء، لأن ذلك يصادم نصوصاً قطعية أخرى تأمر بالعدل والإحسان، مثل قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهم وتقسطوا إليهم}. كما أن الفقه الإسلامي قرر أن معاملة غير المسلمين في المجتمع تقوم على حفظ الكرامة ومنع الأذى، وهو ما شهد به التاريخ في تجارب التعايش الطويلة.
ومن الزاوية المقاصدية، فإن أي فهم للنص يؤدي إلى نشر الكراهية أو الإخلال بالسلم المجتمعي هو فهم مردود، لأنه يناقض مقاصد الشريعة في حفظ النظام العام وتحقيق التعايش. كما أن تنزيل مثل هذه النصوص ليس من شأن الأفراد، بل من اختصاص السلطة الشرعية التي توازن بين المصالح والمفاسد، وتراعي الظروف والملابسات.
ولو سلكنا منهج القراءة الحرفية ذاته في نصوص أخرى، كحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، لوقعنا في فهم يصادم بداهة النصوص الأخرى التي تقرر حرية الاعتقاد وتنظم العلاقة مع غير المسلمين. لكن الفقهاء جمعوا بين الأدلة، وقيّدوا المطلق، وخصّصوا العام، فاستقام الفهم واتزن الحكم.
إن هذا المثال وحده يكشف بوضوح أن السنة لا يمكن أن تُفهم بعيداً عن الفقه، وأن الدعوة إلى “السنة وحدها” دون أدواتها العلمية ليست دعوة إلى السنة، بل إلى فهم بشري قاصر يتزيّا بزي السنة. وهنا مكمن الخطر، لأن النصوص حين تُنتزع من سياقها تتحول إلى أدوات تبرير، بدل أن تكون مصادر هداية.
إن التاريخ الإسلامي شاهد على أن الفقه المذهبي لم يكن عائقاً أمام التجديد، بل كان إطاراً منظماً له. ففي ظل هذه المذاهب، ازدهرت الحضارة الإسلامية، وتطورت العلوم، واستطاعت المجتمعات الإسلامية أن تُدير شؤونها بكفاءة ومرونة. ولم يكن الالتزام بمذهب معين يعني الجمود، بل كان يعني الانضباط بمنهج علمي، مع فتح باب الاجتهاد لمن توفرت فيه شروطه.
أما الدعوة إلى تجاوز المذاهب، بدعوى العودة المباشرة إلى السنة، فإنها في كثير من الأحيان لا تُفضي إلى الاجتهاد الحقيقي، بل إلى فوضى فقهية، حيث يتصدر غير المؤهلين للفتوى، ويُصبح الدين مجالاً للتجارب الفردية والتأويلات المتناقضة. وهنا يتحول “اتباع السنة” إلى شعار يُستخدم لتبرير الآراء الشخصية، لا لضبطها.
ولا يعني هذا الدفاع عن الفقه المذهبي الدعوة إلى تقديسه أو تحنيطه، بل على العكس، فإن الفقه في حاجة دائمة إلى التجديد، وإلى إعادة قراءة في ضوء المستجدات المعاصرة. لكن هذا التجديد لا يكون بهدم الأصول، ولا بإلغاء التراث، بل بالبناء عليه، واستثماره، وتطويره في إطار مقاصدي متوازن.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم ليس في الاختيار بين “السنة” و”الفقه”، بل في كيفية الجمع بينهما جمعاً صحيحاً، يُحافظ على أصالة النص، ويُراعي واقع الناس، ويحقق مقاصد الشريعة. وهذا لا يتأتى إلا من خلال إحياء المنهج العلمي الرصين، الذي يجمع بين النقل والعقل، وبين النص والمقصد، وبين الثبات والمتحرك .
وفي الختام، فإن الطعن في الفقه الإسلامي، ووصفه بالهراء، كما صرح به أحد رؤوس السلفية المعاصرة في المغرب ( ش م غ) ليس مجرد خطأ علمي، بل هو اعتداء على ذاكرة الأمة، وتنكر لجهود علمائها، ومحاولة لقطع الصلة بين الحاضر والماضي. والسنة التي يُرفع شعارها لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال هذا التراث الفقهي العميق، ومن خلال العقول التي خدمته وحرسته. أما القفز على هذا البناء الشامخ بدعوى “العودة إلى الأصل”، فليس إلا رجوعاً إلى الفوضى، وفتحاً لباب تأويلات لا تنتهي، يختلط فيها الحق بالباطل، وتضيع فيها معالم الهداية التي جاء بها الوحي.
* أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
