في عصر الفضاءات المفتوحة والمنصات الرقمية، تداخَلت الخطوط بين حرية التعبير وحرية التدمير، وظهرت فِئة جديدة من “مُرتزقة الكلمة” الذين يَختبئون خلف شعارات حقوق الإنسان والعمل الصحفي لتمرير أجنداتهم، غير أن حبل الكذب قصير، ومهما طال التستر خلف الأقنعة المثالية، تأتي لحظة الحقيقة لتفضح المستور.
وهذا بالضبط ما جَسدته التسريبات الصوتية المدوية الأخيرة التي عَصفت بما تبقى من أراجيف المدعو هشام جيراندو، وأَسقطت معه ورقة التوت عن اسم لطالما تستر برداء “الصحفي والمحلِّل المستقل”، وهو الحسين المجدوبي الملقب ب “أبو ندى” و”Albert”.
واليوم لسنا أمام مُجرَّد زلة لسان أو اختلاف في وجهات النظر السياسية، بل نحن أمام أركان جريمة متكاملة ومؤامرة دنيئة تستهدف استقرار المغرب، وتدار بمنطِق العصابات الرقمية العابرة للحدود التي تبيع الأوطان لمن يَدفع أكثر.
لقد شكل المقطع الصوتي المسرب ضربة قاصمة للصورة النمطية التي حاول الحسين المجدوبي تسويقها عن نفسه لسنوات طويلة، فقد بنى هذا الأخير سَرديته على ادعاء الاستقلالية والتحليل الموضوعي، محاولا إقناع الرأي العام بأنه يُمارِس دور السلطة الرابعة التي تراقب وتنتقِد.
لكن التسريب الأخير لمجموعة “أطلس هاكرز” دمر هذه الهالة بشكل كامل ولا رِجعة فيه، حيث لم يَظهر المجدوبي في هذا التسجيل كصحفي يَبحث عن الحقيقة، بل انكشف دوره الحقيقي كمهندس للكواليس، و”موجه ميداني” للأكاذيب، وكاتب لسيناريوهات الابتزاز التي يتولى الهارب هشام جيراندو إطلاقها عبر منصاته.
إن هذا التحالف السري بين الطرفين يُثبِت أن ما يتم ترويجه ليس سوى مسرحية رديئة الإخراج، يَتقاسم فيها الطرفان الأدوار: الأول يَنسج الأكاذيب ويَحبك المؤامرات في الظلام مُستغِلا لسانه وقلبه الحاقد، والثاني يَلعب دور الواجهة الصوتية لترويجها في العلن بكثير من التشهير والتحريف.
ولم يَكن اختيار أهداف هذه العصابة الرقمية وليد الصدفة، بل كان عملا مُمنهَجا ومَدروسا بعناية، حيث أظهرت التسريبات أن هذه المؤامرة تستهدف بشكل مباشر ويومي المؤسسات الأمنية المغربية ورِجالات الدولة البارزين، وعلى رأسهم المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي.
إن التركيز على هذه المؤسسات والشخصيات القيادية تحديدا يحمل دلالات خطيرة؛ فالأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني هما الدرع الواقي للمملكة، والضامن لأمنها في محيط إقليمي ودولي مضطرب، ومن تم فإن مُحاولة تبخيس عمل هذه المؤسسات أو تشويه صورة قادتها ليست مجرد “نقد سياسي” كما يَدعون، بل هي محاولة يائسة لضرب مناعة الدولة المغربية، وزعزعة ثقة المواطن في مؤسساته، وخدمة مجانية (أو بالأحرى مدفوعة الأجر) لأعداء الوطن الذين يُزعِجهم النموذج الأمني المغربي الرائد.
ولعل النقطة المفصلية والقنبلة الجنائية الأشد خطورة في هذا التسريب، هي تلك اللحظات الأخيرة التي تكشف بجلاء عن الدافع الحقيقي وراء هذا “النضال المزيف”، فصَوت الهارب جيراندو وهو يَستفسر المجدوبي بوضوح وبصيغة مباشرة عن صفقة الـ 10 ملايين دولار، يُمثل دليلا ماديا قاطعا يَقطع الشك باليقين. هذا الرقم الفلكي ليس مجرد زلة عابرة، بل هو تعبير صارخ عن طبيعة الدور الإجرامي والمالي الذي يَلعبه المجدوبي خلف الكواليس.
واليوم، يَتأكد للرأي العام الوطني والدولي أننا لسنا أمام مُعارضة سياسية أو نشاط حقوقي، بل نحن أمام “مقاولات” للابتزاز والارتزاق، تُدار بمنطق الفواتير والتسليمات المليونية المشبوهة. إنها تجارة قذرة تَستخدِم قضايا الوطن كسِلعة للمساومة، وتثبت أن الاستهداف الممنهج للمؤسسات لم يَكن سوى تنفيذ حِرفي لأجندات تخريبية مدفوعة الأجر سَلفا.
ومع انقشاع الرؤية وانكشاف هذه التحالفات السرية المشبوهة بين المبتزين وتجار الممنوعات وأبواق الطابور الخامس، تَدخل هذه القضية مُنعَطفا حاسما، فقد سَقطت الأقنعة ولم يَعد هناك مجال للتباكي أو ادعاء المظلومية، ثم إن هذا المقطع الصوتي يُشكل وثيقة إدانة تاريخية وقانونية تَضع هذه المجموعة الإجرامية أمام مسؤولياتها. وبناءً عليه، يَشتد الخناق القضائي يوما بعد يوم على هؤلاء المرتزقة، حيث إن الجرائم التي تُرتكب في الفضاء الرقمي، والابتزاز العابر للحدود، والتآمر على مؤسسات الدولة، كلها أفعال يُعاقِب عليها القانون بشدة.
يَجب أن يُدرك كل من سوَّلت له نفسه المتاجرة باستقرار المغرب، أن الأوطان لا تُباع في أسواق النخاسة الرقمية. إن الحقيقة الساطعة اليوم هي أن القصاص الجنائي قادم لا مَحالة.
وواهمٌ من يَعتقِد أن منصات التواصل الاجتماعي أو الحدود الجغرافية أو جوازات السفر الأجنبية يمكن أن تشكِل درعا يَحميه من طائلة القانون. إن الوقوف مكبلين بالحديد أمام العدالة المغربية لقول كلمتها الفاصلة، هو النهاية الطبيعية والوحيدة لكل من اختار طريق الخيانة والابتزاز، ليُطوى بذلك مِلف مُظلِم من ملفات الارتزاق، ويَبقى المغرب شامخا بمؤسساته وأبنائه المخلصين.
