استهل أبو وائل الريفي «بوح الأحد» بالتوقف عند ذكرى المولد النبوي ومكانتها لدى المغاربة، معتبرا أنها مناسبة يتجدد من خلالها الارتباط بالجناب النبوي وبإمارة المؤمنين، قبل أن يلتقط من الاحتفال الأخير رسالة اعتبرها بالغة الدلالة في اتجاه إسبانيا، من خلال استحضار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لاثنين من أعلام سبتة المغربية، القاضي عياض صاحب «الشفا في التعريف بحقوق المصطفى»، والعزفي صاحب «الدر المنظم»، إلى جانب «دلائل الخيرات» للإمام الجزولي.
رسائل سبتة
ويرى أبو وائل أن استحضار سبتة في هذا السياق لم يكن مجرد إحالة تاريخية، وإنما رسالة محسوبة تعيد ملف المدينتين المحتلتين إلى الواجهة، في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية المغربية باسترجاعهما. ويعتبر أن المغرب يجدد بذلك، وبطريقة هادئة، تشبثه بمغربية أراضيه المحتلة، فيما تنتقل تداعيات الملف تدريجيا إلى الداخل الإسباني، حيث تتقاطع حسابات الحكومة والمعارضة والسلطات المحلية في سبتة.
وفي قلب الجدل حول موجة الهجرة الأخيرة، يستشهد أبو وائل بتصريحات وزير الرئاسة والعدل الإسباني فيليكس بولانيوس أمام البرلمان يوم 27 غشت، والتي أكد فيها، بحسب النص، عدم وجود دليل على تورط المغرب في التدفق الكبير للمهاجرين نحو سبتة يومي 30 و31 يوليوز، مرجعا ما حدث إلى انتشار معلومات مضللة بشأن قرار للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بعمليات الإعادة على الحدود. ويعتبر الكاتب أن هذا الموقف يسقط الاتهامات التي حاولت تحميل الرباط مسؤولية الأزمة.
ويتوقف أبو وائل أيضا عند صور ومعلومات تداولتها وسائل إعلام عن ممارسات عنصرية ضد مهاجرين عالقين بسبتة، شملت منع وصول مساعدات إليهم وإخلاء مخيمات عشوائية وإتلاف متعلقاتهم، متسائلا عن موقف الهيئات الحقوقية الأوروبية من هذه التصرفات. كما يقرأ الاحتجاجات التي شهدتها المدينة وزيارة رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار باعتبارها جزءا من صراع سياسي داخلي يسعى فيه الحزب الشعبي إلى الضغط على حكومة بيدرو سانشيز واستثمار ملف الهجرة انتخابيا.
حرب التسريبات
ينتقل «بوح الأحد» بعد ذلك إلى ملف التسريبات، منتقدا ما يعتبره انخراط أصوات ومنابر في الترويج لمعطيات غير دقيقة عن المغرب، مقابل تجاهل تسريبات قال إنها طالت الحرس المدني والشرطة والجيش الإسباني وبلغ حجمها نحو 500 صفحة من البيانات الحساسة، وأصبحت موضوع شكاية تقدمت بها الجمعية المهنية «العدالة للحرس المدني» أمام المحكمة الوطنية الإسبانية للمطالبة بالتحقيق في مصدرها والمسؤولين عن جمع المعلومات ونشرها.
وفي المقابل، يشكك أبو وائل في الرواية المتداولة بشأن ما وُصف بتسريب بيانات تخص الأجهزة المغربية، ويطرح سلسلة من الأسئلة حول مضمون اللوائح المتداولة، وفي مقدمتها الرقم الذي يتحدث عن 70 ألف شخص، والتداخل بين موظفين ينتمون إلى قطاعات ومؤسسات مختلفة، فضلا عن مصدر البيانات وما إذا كانت قد جاءت أصلا من قاعدة أمنية أو من قواعد بيانات إدارية أخرى.
ويستند في تشكيكه أيضا إلى وجود أسماء أشخاص متوفين ومعطيات قديمة وغير محينة وأخطاء في الرتب وسنوات الالتحاق بالوظيفة، مع اقتصار جزء من البيانات، وفق ما أورده، على الفترة الممتدة بين 2007 و2015. وهي مؤشرات يعتبر أنها تفرض التحقق من أصل المعلومات قبل بناء استنتاجات حول تعرض قواعد البيانات الأمنية للاختراق.
الأمن يفند
ويخصص أبو وائل مساحة واسعة لما يعتبره استهدافا متكررا للمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، منتقدا تقاطع خطاب عدد من المنابر الأجنبية وبعض الأصوات المغربية في تحميل المؤسسة الأمنية مسؤولية «التسريبات»، وصولا إلى المطالبة باستقالة حموشي أو إقالته.
ويستحضر في هذا السياق البلاغ الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، الذي نفى تسجيل أي اختراق للأنظمة المعلوماتية وقواعد البيانات الأمنية، مؤكدا أن المعطيات المنشورة قديمة وتم تحميلها، بحسب البلاغ، من قواعد بيانات تشرف عليها شركات للتأمين ومنظمات للتغطية الصحية والاجتماعية. كما أشار البلاغ إلى تداول صور مفبركة ووثائق محرفة تضمنت، من بين مؤشرات زيفها، أزياء ورتبا غير معمول بها في جهاز الأمن الوطني وأخطاء لغوية وهويات بصرية غير صحيحة.
ومن هذا المنطلق، يدعو أبو وائل إلى نقل النقاش نحو حماية المعطيات الشخصية ومستوى الأمن المعلوماتي لدى المؤسسات والشركات التي تتوفر على بيانات المواطنين والموظفين، مطالبا الجهات المختصة بتحديد المسؤوليات في حال ثبوت وجود ثغرات، ورفع مستوى حماية هذه القواعد من الاختراق.
كما يقول الكاتب إنه تقصى بشأن الرقم المتداول حول العاملين في مديرية مراقبة التراب الوطني، وإن معطيات حصل عليها من «مصدر مأذون» تفيد بأن عدد العاملين فيها يقل عن خمسة آلاف عنصر، مستحضرا في المقابل حضور الأجهزة المغربية في التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وهذه معطيات يقدمها أبو وائل في مقاله منسوبة إلى مصدره.
ملفات أخرى
ويتوقف «بوح الأحد» كذلك عند تسريبات «أطلس هاكرز» المرتبطة بهشام جراندو، والتي يقول أبو وائل إنها تقدم معطيات بشأن علاقاته بأشخاص مرتبطين بتجارة المخدرات وعمولات مالية وأساليب استقطاب أشخاص للعمل معه. ويعتبر الكاتب أن هذه التسريبات تستحق بدورها التدقيق والتحقيق بدل حصر الاهتمام في المعطيات المتداولة حول المؤسسات الأمنية المغربية.
ويختتم أبو وائل مادته بالانتقال إلى انتخابات المجلس الوطني للصحافة، مشيرا إلى تسارع الاستعدادات لهذه المحطة ودخول مرحلة إيداع الترشيحات بين 24 و28 غشت. ويرى أن الانتخابات المقبلة تمثل تمرينا مهنيا وديمقراطيا يفترض أن يفضي إلى مجلس يتمتع بتمثيلية قوية للصحافيين والناشرين، وقادر على مواجهة التحديات التي تنتظر الصحافة الوطنية والدفاع عن المهنة والمهنيين.
وبين ملف سبتة وما أثاره من سجال داخل إسبانيا، وقضية التسريبات والحملات التي تستهدف المؤسسات الأمنية المغربية، يرى أبو وائل الريفي أن القاسم المشترك هو محاولة جر المغرب إلى معارك جانبية وإلزامه بالدفاع باستمرار عن مواقف ومؤسسات يعتبر أنها أثبتت فعاليتها. وفي المقابل، يشدد على أن التعامل المغربي يقوم على اختيار التوقيت والوسائل المناسبة لإثارة القضايا الوطنية، بعيدا عن ردود الفعل المتسرعة أو الانجرار وراء الاستفزازات.
ويخلص أبو وائل إلى أن المرحلة تفرض، في نظره، قدرا أكبر من التدقيق في المعلومات المتداولة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس مؤسسات الدولة أو مصالح المغرب، معتبرا أن قوة الموقف لا تبنى على الإشاعة أو التسريبات غير المتحقق منها، وإنما على الوقائع والمعطيات القابلة للإثبات. وهو ما يجعل، بحسب قراءته، معركة المصداقية جزءا أساسيا من مواجهة الحملات التي تستهدف المغرب في الداخل والخارج.
