في ليلة خصصها التلفزيون العمومي الفرنسي للمغرب، من خلال وثائقي بثته قناة فرانس تيفي بشكل متزامن مع القناة الفرنسية الخامسة، بدا المحفل الاستشراقي الفرنسي الكولونيالي في تجليه الإعلامي وكأنه يعيد إنتاج سردية متهالكة، لم يتجاوزها المغرب فقط، بل عموم المستعمرات السابقة لهذا البلد الذي يعيش تناقضا بين نخب لم تستطع التخلص من النظارات الاستشراقية الكولونيالية، وبين نخب أخرى دولاتية وثقافية استطاعت أن تمارس ما يشبه الكاتارسيس القاسي، لتقر بأن هناك عالما جديدا قد تشكل يفرض على فرنسا أن تعيد بناء علاقاتها مع شركائها على قاعدة الندية لا الوصاية.قدمت القناة العمومية الفرنسية الوثائقي الذي أخرجه وأعده بينوا برينجير، وأعقبته بنقاش شارك فيه المخرج نفسه.تازمامارت تعري البطولات الزائفةكان يكفي متابعة مشهد واحد من الحوار الذي أعقب عرض الوثائقي ليتبين أنه يصعب توقع أن يتناول الإعلاميون الفرنسيون (بدون تعميم طبعا) قضايا المغرب بحيادية، فثمة حنين لإرث استعماري يقبع في منطقة اللاوعي، وثمة استسلام طوعي غير واع لتمثيلات استشراقية متوارثة، ترسخت إلى حدود بناء صورة متخيلة عن مغرب افتراضي، ليس هو المغرب الحقيقي بنجاحاته وتعثراته، كأي بلد في العالم، مثل فرنسا نفسها، التي تعيش مآزق بنيوية، وتراجعا ملحوظا حتى في علاقاتها التي كانت تراها نهائية ومحسومة لصالحها مع مستعمراتها السابقة.تسأل المذيعة مخرج البرنامج عن كيفية تصويره لمعالم ما تبقى من معتقل تازمامارت، رغم الرقابة الأمنية الشديدة بالمغرب حسب زعمها، والتي تستدل عليها بترحيل صحافي فرنسي سابق من المغرب إثر تنقله لتغطية ندوة صحافية ببلادنا.تطرح السؤال بافتعال استغراب، وكأن تصوير منطقة بالمغرب يشكل فعلا بطوليا، يجاريها المخرج في هذه الاستيهامات "البليدة" ويدعي أنه للهروب من الرقابة الأمنية المزعومة كان عليه الاستيقاظ باكرا، وتصوير تلك المشاهد.إن هذه الرواية العجائبية التي يسهل دحض تهافتها، ما هي إلا ذريعة مبتذلة لبناء صورة فيلموغرافية عن مغرب متوهم لازالت عقارب ساعته متوقفة عند زمنية الجمر والرصاص.لم يعرض في الوثائقي من تازمامارت سوى بقايا السجن سيئ الذكر، والذي ينتمي لماض طواه المغرب بشجاعة، حتى قبل أن يحل زمن العدالة الانتقالية ويتسيد مشهدية ما سمي الجيل الثاني للانتقالات الديموقراطية، كما عرضت صورة بانورامية لقلعة، وصورة مقربة لشواهد قبور.وهي صور لا يحتاج الحصول على مثلها للانتقال حتى إلى تازمامارت، فهي موجودة بكثرة، وأغلب الفيديوهات والصور، التي تروج في الوثائقيات وبرامج القنوات العالمية لهذه المنطقة مأخوذة عن التلفزيون المغربي العمومي.لقد نظمت العديد من الزيارات الحقوقية للمنطقة من أجل جبر الضرر الجماعي، وشارك معتقلون عسكريون سابقون في جلسات الاستماع العمومي التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتم بث شهاداتهم مباشرة على التلفزيون وأمواج الإذاعة العموميين.واليوم لا تمثل تازمامارت في المتخيل الجمعي المغربي إلا وجعا من الماضي، ودرسا من أجل أن لا يتكرر ما حصل، وهو ما دونته توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي تمت دسترتها برغبة ملكية معلنة.فكيف يستقيم أن مخرجا يقدم نفسه مختصا في الوثائقيات السياسية والحقوقية، وملما بأوضاع المغرب، يضطر للانتقال متخفيا في الصباح الباكر لتصوير القرية؟إن هذه "الادعاءات" تتناقض مع كثير من المشاهد الواردة في الوثائقي، والمتعلقة باحتجاجات من الزمن الراهن بالمغرب (20 فبراير، أحداث الحسيمة، جيل زد)، والتي تم تصويرها بكاميرات وكالة الأنباء الفرنسية، التي كانت تتحرك بكل حرية من أمام القوات العمومية المغربية، لأن المغرب يتعامل مع مثل هذه الاحتجاجات كتعبيرات مجتمعية تؤطرها قوانين تتعلق بالتظاهر السلمي والتجمعات العمومية.الترحيل غير القانوني.. فرنسا نموذجاعلى العموم، فحتى الانفلاتات، التي حدثت في قليل من الاحتجاجات بالمغرب، لم تصل مستوياتها إلى ما حدث في احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، سواء العنف الذي استعمله المتظاهرون ضد القوات العمومية الفرنسية، أو الاستعمال المفرط للقوة من طرف هذه الأخيرة بدورها.وإيراد واقعة ترحيل صحافي فرنسي من المغرب، تم بترها من سياقها، لتصوير المغرب بلدا يعادي حرية الصحافيين الأجانب في العمل بحرية، مع العلم أن كل المواد الإعلامية التي يبثها الإعلام الفرنسي عن المغرب، تكون نتيجة تغطيات من داخل المغرب، بغض النظر عن تقييمنا لمدى موضوعية العديد منها، بما في ذلك الوثائقي الذي صوره بينوا بيرجير نفسه.وواقعة الترحيل مرتبطة بقرار سيادي له علاقة بما ثبت عن الصحافي موضوع الترحيل من عمل على نقل أخبار كاذبة ومضللة عن عمد، ومن علاقات مثبتة بدوائر استخبارية لدولة تسعى للإضرار بمصالح المغرب.وكان من باب الموضوعية حين تمت إثارة موضوع ترحيل صحافي واحد، أن تقوم القناة بمقارنة بين المغرب وفرنسا فيما يخص موضوع الترحيل، إذ حطمت فرنسا أرقاما قياسية في الترحيل خارج ترابها الوطني، شمل حتى مواطنين فرنسيين من أصول أجنبية، وخارج أي أحكام قضائية.المغرب ليس عاشقا ولا معشوقاافتتح الوثائقي بنبرة "رومانسية" بمثابة السم في الدسم، وهي تحيل على تشبيه العلاقة بين المغرب وفرنسا بعلاقة عاشقين، قد تقع بينهما خصومة، ولكن القطيعة لا تكون نهائية، إذ ثمة دائما حنين ورغبة في العودة، وقد حاول المخرج التبئير على هذا الوصف من خلال مشاهد عاشقين أمام شاطئ البحر التي تتكرر أكثر من مرة في الوثائقي.والحال أن العلاقة بين البلدين لا تتحكم فيها المشاعر، بل هي نتاج مركب من المصالح والجغرافيا والتاريخ والثقافة، ورغبة مغربية واضحة ومعلنة في ترميم هذه العلاقات على أساس الندية والمصالح المشتركة، وبين تردد فرنسي في القطع مع ماضي الوصاية ووهم القدر الفرنسي للمغرب.إن ما يريده المغرب من فرنسا، وما لا تريد بعض النخب الفرنسية فهمه، هو ما عبر عنه الملك محمد السادس ببلاغة لافتة، حين عقب على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال إن المغرب وفرنسا يحتاجان إلى بدأ صفحة أخرى في علاقاتهما، بالقول: إن العلاقات المغربية الفرنسية تحتاج إلى كتاب جديد.فكأن الملك يلفت نظر الفرنسيين إلى أن التوترات التي قد تنشب بين المغرب وفرنسا، وكذا إمكان عودة العلاقات في الزمن الراهن، لا يمكن عبورها بالاستناد إلى التجارب السابقة، بل تحتاج إلى منطق آخر قائم على الاحترام المتبادل، وعلى الخروج من ثنائية التابع والمتبوع إلى جدل الشراكة.حزم ملكي أمام محاولات إعادة إنتاج الوصايةولو أنه توجد بعض الملاحظات على الكيفية التي سرد بها الكاتب المغربي الطاهر بنجلون حيثيات عودة العلاقات المغربية الفرنسية إلى الدفء بعد عبورها المطبات، التي صنعتها جهات فرنسية (والتي تحاول العودة في الشهور الأخيرة إلى مشاغباتها المكشوفة التي منها هذا الوثائقي غير البريء مبنى ومعنى)، حين اختزل هذه العودة في المكالمة التي جمعته بزوجة الرئيس الفرنسي، إلا أن ما رواه عن المكالمة العاصفة بين الملك محمد السادس وإيمانويل ماكرون عقب الأكاذيب التي روجت لها "فوربيدن ستوريز" بخصوص تجسس المغرب عبر برمجية بيغاسوس على هاتف الرئيس الفرنسي ووزيره الأول و14 عضوا من حكومته، تعطي صورة واضحة عن الحزم الملكي تجاه أي تصرف غير مقبول من أي كان، والذي من شأنه المس بالاحترام الواجب للمغرب ورموزه السيادية.لقد أغلق الملك الهاتف في وجه الرئيس الفرنسي حين تجاوز حدود اللباقة، وهي الواقعة التي لم ينكرها المشاركون في البرنامج، بمن فيهم حتى الصحافي لوران ريتشارد الضالع في فبركات "فوربيدن ستوريز" المتعلقة ببيغاسوس، وإن حاول الوثائقي ربطها بشخصية الملك/ الإنسان المختلفة عن أبيه.والحق، وإن كان هذا التفسير له غير قليل من الصحة، فحتى الحسن الثاني تنبأ بأن خلفه سيكون مختلفا عنه من حيث الأسلوب، وهو ما أكده الملك محمد السادس في أولى حواراته مع الصحافة الدولية، فالواقع هو أن الملك تصرف في تلك الواقعة انطلاقا من مسؤولياته كملك ورئيس دولة ورمز للبلاد، مؤتمن على واجب رفض أي تلميح ولو عرضي قد يفهم منه نوع من الاستعلاء أو الوصاية أو الابتزاز.الحسن الثاني وكبار رجالات فرنسا القويةوالحال أن ذلك كان نهج الحسن الثاني كذلك، غير أن حوادث مثل هذه لم تقع في عصره، باعتبار أنه عايش مرحلة تعاقب فيها على كرسي الرئاسة بفرنسا شخصيات مرجعية في التاريخ السياسي العالمي وليس الفرنسي فقط، من قبيل فاليري جيسكار ديستان، وفرانسوا ميتيران، وجاك شيراك، الذين حتى في مراحل التوتر كما وقع في عهد ميتيران كانوا يتورعون عن مخاطبة المقام الملكي الذي يمثل رمز السيادة المغربية بغير ما يليق من احترام ووقار.دانيال ميتيران مدافعة عن المغرب الجديدعلى ذكر فرانسوا ميتيران، فإن الوثائقي حين تحدث عن سوء الفهم العابر الذي طبع جزءا من حكمه في العلاقة مع المغرب، قبل أن تتغلب لغة الحوار والمصالح المشتركة، جاء على ذكر زوجة ميتيران التي كانت تترأس جمعية حقوقية، وكان المعتقلون السياسيون المغاربة آنذاك من جملة من دافعت عنهم، كما كانت معروفة بانحيازها في تلك المرحلة للجزائر وجبهة البوليساريو، تحت تأثير وهم انضوائهما تحت لواء حركات التحرر التي كانت قريبة من التيارات الاشتراكية وقتئذ، غير أن الوثائقي قام بعملية بتر مقصودة لبقية الحكاية، ذلك أن دانيال ميتيران انتهت إلى زيف الادعاءات التي كانت تروج ضد المغرب، وأصبحت بعدها من الفاضحات لتلاعب البوليساريو بالمساعدات المقدمة للمخيمات، ومن المعجبات بطريقة تدبير المغرب لملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.إن هذا البتر يفضح الانتقائية التي كانت سمة البرنامج الأساسية.مغاربة فرنسا والتوظيف المشبوهاستضاف بينوا بيرجير في هذا الوثائقي وجوها مغربية استطاعت أن تخط لنفسها مسارات ناجحة بالمهجر الفرنسي: نجاة بلقاسم فالو، ليلى السليماني، الطاهر بنجلون، عبد اللطيف اللعبي، نسرين السلاوي.ليس غرضنا تقييم تصريحاتهم، ولا التفتيش في نواياهم، والتي لا يخالجنا أدنى شك في أنها كانت نوايا طيبة، لكن سقطت أمام تخطيط مسبق للمخرج في أن يجتزئ هذه التصريحات، ويضعها في سياق يخدم سردية التفوق الفرنسي.يتم تقديم ليلى السليماني على أساس أنها سليلة اختلاط الدماء الفرنسية والمغربية، فجدها لأبيها تزوج من فرنسية من الألزاس، تعرف عليها حين كان ضمن الجنود المغاربة الذين شاركوا في الحروب الفرنسية ضد النازية، غير أن البرنامج يورد صورة قديمة لهذا الجد وحيدا، مع تعليق يفيد أنه كان من غير المقبول قبل زمن الحماية التقاط صورة للنساء، فيما عرض صورة للجدة وهي صغيرة مع والديها، وفي السرد الفيلموغرافي تم تقديم الجد محافظا رجعيا إلى أن علمته الحماية قيمها الحضارية، فيما تم تقديم الجدة الألزاسية بأنها نشأت في أجواء من التحرر، والدليل هو احترام العائلة قرارها الارتباط بمغربي والانتقال معه للعيش بالمغرب.نسرين السلاوي بدورها ولدت بفرنسا، ولكن أباها جاء فرنسا مهاجرا ليعمل في مشاريع الأشغال العمومية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين كانت فرنسا بحاجة للقوة العضلية؛ حيث إن المهاجرين يختزلون وفق هذه السردية في القوة العضلية فقط.نجاة بلقاسم تحكي بدورها عن هجرتها وهي صغيرة، في إطار الالتحاق العائلي بالأب الذي سبق العائلة لفرنسا، وبالتالي تغير مسارها، فهي راعية الغنم الصغيرة ببادية بني شيكر الريفية، لولا تلك الهجرة لم يكن لها أن تصل إلى ما وصلت إليه.يتم تقديم فرنسا في حكاية نجاة بلقاسم بمثابة المنقذة من الجهل والفقر.أما الطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي فهاربان من قمع سنوات الجمر والرصاص، ووجدا في فرنسا الملاذ الآمن، فنجوا مما لحق رفاقهما من ضروب التنكيل التي وصلت حدود الإعدام. فرنسا وفق هذه السردية هي حامية المدافعين عن حقوق الإنسان والديموقراطية.علينا ألا ننكر أن المغرب عرف سنوات قمع، لم يجد إزاءها الكثير من المناضلين سوى اختيار طريق المنفى، ولكن فضلا عن أن البرنامج غض بصره عما أنجز مغربيا لحل كل الملفات العالقة من ذلك الزمن بشجاعة استثنائية، وغض الطرف عن أن الكثير من أولئك المنفيين عادوا إلى وطنهم معززين مكرمين، ومنهم من وصل إلى أعلى المناصب السامية بالبلاد، بما فيها منصب الوزير الأول مجسدا في المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، فإن الوثائقي لم يبين أن اللعبي وبنجلون لم يعودا منفيين قسريين، بل إقامتهما في فرنسا هي اختيارية، ويتنقلان بين المغرب وفرنسا بشكل عادي.غير أن ما يمكن معاتبة عبد اللطيف اللعبي عليه، وهو الذي يقدم نفسه مناضلا ضد الكولونيالية، هو إحجامه عن الحديث عن جرائم فرنسا، ليس في المرحلة الكولونيالية فقط، بل حتى فيما بعدها، ففي الوقت الذي كانت تفتح ترابها للمنفيين المغاربة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كانت تدعم أنظمة ديكتاتورية في مستعمراتها السابقة بإفريقيا والكاريبي، وهي الأنظمة التي مارست انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تفوق بكثير ما حصل في السبعينيات بالمغرب، بل كانت المخابرات الفرنسية شريكة في اغتيال مسؤولين ومناضلين أفارقة.فإذا كان المغرب قد امتلك شجاعة مواجهة ماضيه فيما يخص حقوق الإنسان، فإن فرنسا لم تمتلك هذه الشجاعة في مواجهة ماضيها الاستعماري، ولذلك تعود بين الفينة والأخرى مثل هذه البرامج الممزوجة بنفس استشراقي كولونيالي.الصورة الاستشراقية الكولونياليةرغم أن الوثائقي تم تصويره حديثا، فإن كل المشاهد المصورة بالمغرب اقتصرت على لقطات من الجبال النائية التي تم انتقاء فقط التي تتميز تضاريسها بالوعورة والتصحر، ولقطات من الأحياء ناقصة التجهيز، وكأن المغرب الذي تركته فرنسا سنة 1956 هو نفسه المغرب الحالي.غيب البرنامج كل الصور التي تظهر التقدم الحاصل في المغرب على المستوى العمراني، وعلى مستوى البنيات التحتية.بل إنه غيب حتى المشروعات الكبرى، فلا حديث عن المكتب الشريف للفوسفاط، ولا عن ميناء طنجة المتوسطي، ولا عن محطة نور، ولا شبكة الطرق السيارة، حتى الطائرات التي ظهرت في الوثائقي كلها للخطوط الفرنسية.تم اختزال نهضة المغرب الاقتصادية في مصنع رونو بطنجة، وتم اختزال التطور في المواصلات في القطار فائق السرعة، فقط لأنهما من إنجاز شركتين فرنسيتين، مع الإشارة إلى أنه بخصوص مشروع "البراق" غيب البرنامج عمدا المساهمات الإماراتية والكويتية والمغربية في التمويل، وكذلك المساهمات الصينية والكورية الجنوبية والإسبانية لاحقا في مشاريع تهيئة السكة الحديدية المناسبة، بعد طلب عروض دولي أطلقته الدولة المغربية.إن جزءا كبيرا من البرنامج تم استهلاكه في محاولات إقناع المشاهدين بأن كل ما يعرفه المغرب من تطور في ميادين الصناعة والمواصلات والبنيات التحتية والنقل إنما هو بفضل فرنسا تخطيطا وتمويلا وتنفيذا.إننا لا ننكر أن فرنسا تظل شريكا اقتصاديا وتجاريا مهما للمغرب، وكذا حليفا سياسيا ودبلوماسيا للمغرب، غير أن ذلك لا علاقة له بأي تبعية، بل هو نابع من مصالح مشتركة، ومن مكاسب تم بناؤها عبر سيرورة تاريخية خاصة.كرة القدم والهيمنة المتوهمةافتتح الوثائقي بالحديث عن مقابلة نصف نهاية كأس العالم بين المغرب وفرنسا في قطر سنة 2022، ولكن للغرابة لم يقدم أي لقطات من تلك المقابلة، بل اكتفى بتعليق لمذيع المقابلة بالفرنسية، مع مشاهد لأطفال مغاربة يمارسون اللعبة فوق قمة جبل بملعب مترب، فيما يتابع الفرنسيون المقابلة في مقهى أنيق.إن العقل الاستشراقي الكولونيالي يغيب عمدا منشآت المغرب الرياضية التي أدهشت العالم في "الكان" الأخير، ويغيب الحديث عن التطور الكروي بالمغرب، ويغيب كذلك أن هذا البلد سينظم كأس العالم بعد سنوات قليلة.ويركز فقط على انتصار فرنسا في مقابلة نصف النهائي، ويختار عبارة فرنسية في نهاية الحديث عن المقابلة، وترجمتها: فرنسا تهيمن على المغرب.لم نكن أمام افتتاح للوثائقي بحدث كروي، بل كنا أمام استعارة بلاغية، تتعمد الإيحاء أنه كيفما كان التوتر بين فرنسا والمغرب، فإن النتيجة واحدة، وهي أن فرنسا هي المهيمنة.إنه عقل كولونيالي متجاوز، يعيش خارج إحداثيات اللحظة.الأمن المغربي: عقدة العقل الكولونياليبعد الاستعارة السمجة لمقابلة نصف النهائي سينتقل الوثائقي ودونما احترام للتسلسل الكرونولوجي لمسار العلاقات المغربية الفرنسية، الذي سيحترمه بعد ذلك، إلى واقعة "بيغاسوس" التي سيختم بها كذلك الوثائقي.في الوثائقي يتم الحديث عن استخدام المغرب لبرمجية بيغاسوس بإطلاقية، ويقدم الأمر على أساس أنها مما لا جدال حوله، بل إنه لا يعتبر عودة العلاقات الفرنسية المغربية بعد ذلك التوتر اعترافا صريحا من الدولة الفرنسية ببراءة المغرب من كل تلك الاتهامات المغرضة، إذ لا يعقل أن تنقلب مواقف فرنسا من انحياز للجزائر نحو ارتماء كبير في أحضان المغرب، وهي واثقة من أن مخابرات المغرب قد تجسست على الرئيس والوزير الأول و14 عضوا في الحكومة باختراق هواتفهم.لا توجد دولة في العالم تحترم سيادتها يمكن أن تقوم بهذا.وللهروب من هذه الورطة المنطقية، يدعي البرنامج بأنه لو كانت هناك دولة أخرى قامت بما قام به المغرب، فلم تكن العلاقات الدبلوماسية ستعود إلى مجاريها الطبيعية، دون تفسير لماذا هذه الأفضلية للمغرب حد التجاوز عن فعل مثل هذا.والحقيقة أن تلك العودة كانت لها أسباب ثلاثة على الأقل واضحة، وفي مقدمتها اقتناع صانع القرار الفرنسي بسخافة اتهام المغرب، وفشل المراهنة على علاقات متقدمة مع الجزائر بعد أن ثبت أنها لا يمكن أن تكون بديلا عن المغرب، وإخفاقات فرنسا في منطقة الساحل والصحراء توازيا مع النجاحات المغربية في تلك المنطقة التي كانت حديقة خلفية للمصالح الفرنسية.يكتفي البرنامج بإيراد نفي المغرب للاتهامات التي وجهت له، دون الحديث عن أن المغرب لم يكتف بالنفي، بل طالب كل من اتهمه بالأدلة وذهب بعيدا في تحديه إلى حد اللجوء إلى القضاء في الدول التي نشرت بعض منابرها تلك السخافات.ويعود الوثائقي كذلك إلى ادعاءات أخرى روجها مواطن مغربي بفرنسا كان يسعى لمكسب ريعي، فلم يطله، والتي تقول بخضوعه للتعذيب في مقر للمخابرات المغربية، ما أدى إلى تهور النيابة العامة الفرنسية التي وجهت الشرطة الفرنسية للقدوم للسفارة المغربية من أجل تسليم استدعاء للمدير العام للأمن الوطني، في سابقة خطيرة مرفوضة سياديا ودبلوماسيا وحقوقيا وقضائيا.لقد صححت فرنسا خطأها ذلك، حين اضطرت لعقد اتفاقية قضائية بينها وبين المغرب، وسلمت المدير العام للأمن الوطني واحدا من أوسمتها الرفيعة، ورحلت المعني بتلك الاتهامات الرخيصة، لكن البرنامج لم يذكر كل هذا، واكتفى بعد نهايته بكتابة أن النيابة العامة الفرنسية قامت بحفظ الملف، وأن المدير العام للأمن الوطني نفى تلك الاتهامات، مع العلم أن هذا الأخير لم يتحدث مطلقا في هذا الموضوع، الذي لا يستحق منه أي التفات.النهاية الملغومةإن الجملة الأخيرة، التي اختتم بها الوثائقي مكتوبة، والتي تتحدث عن شخص المدير العام للأمن الوطني، لا يمكن اعتبارها إلا حاملة لقصدية الوثائقي كله، وهي تدوير "النفايات" الإخبارية نفسها التي تستهدف مؤسسة سيادية مغربية، وهي نفخ مريب في رماد توترات سابقة بسبب وقائع مشابهة تنطلق دوما من التهجم على المؤسسة الأمنية المغربية.فهذا الصنيع مضاف إليه تعمد بتر الصحراء المغربية من الخرائط التي قدمت في هذا الوثائقي خلافا لما دأب عليه الإعلام العمومي الفرنسي منذ عودة العلاقات لمستواها الطبيعي، يؤشر على وجود تيار يحاول أن يجر العلاقات المغربية إلى مستنقعات الابتزاز التي ثبت أن المغرب قادر على اجتثاثها، والخروج منتصرا، لأنه صاحب حق.ويظل السؤال.. لماذا يستهدفون السيد عبد اللطيف حموشي كلما حاولوا عبثا إيقاظ الفتنة النائمة؟الجواب ببساطة.. لأن المؤسسة الأمنية في عهد عبد اللطيف حموشي، وبتوجيه من الملك وثقة مولوية، أصبحت حائط الصد الأول في الصراعات التي وقودها المعلومة، وكما يقال بالدارجة المغربية: "حيت عارف شنو فمصارنهم".
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });