عبد اللطيف بلمقدم: الذكاء الاصطناعي متغير هيكلي قادر على إعادة رسم معادلة التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة المغربية

حاورته سكينة بنزين الأربعاء 15 أبريل 2026

أشرفت جمعية الشباب من أجل الشباب، بشراكة مع المركز الدولي للدبلوماسية والمعهد الوطني للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، على تنظيم لقاء تدريبي بمدينة القنيطرة، ما شكل مناسبة لربط الفتيات بعالم التمكين الرقمي وذلك في سياق تغيرات تكنولوجية فرضت إيقاعها على مجال التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهو ما جعل من هذه المناسبة التي استقطبت عددا من الشابات، فرصة لرفع اللبس حول عدد من المفاهيم والتحديات المرتبطة بمحور الذكاء الاصطناعي، بالموازاة مع تمكين المستفيدات من أدواة عملية قادرة على تجهيزهن لخوض تجربة الاقتراب من هذا التحدي التكنولوجي.

عن أسباب اختيار هذا الموضوع والفئة المستفيدة منه، وسبل توظيفها في موضوع التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، كان لنا الحوار التالي مع رئيس المعهد الوطني للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، عبد اللطيف بلمقدم.

هل لك أن تقربنا من الفئة المستهدفة من هذا اللقاء، ورهانات توسيع دائرة المستفيدين  من مبادرات الانفتاح على العوالم الرقمية؟

 

استهدف اللقاء التدريبي بالقنيطرة فئة شابة تتراوح أعمارها بين الثامنة عشرة والثامنة والعشرين من العمر، تضمّ في تركيبتها طالباتٍ في مرحلتَي التعليم الثانوي والتكوين المهني والجامعي، إلى جانب شابات في مراحل أولى من مساراتهن المهنية، أو اللواتي يجهدن في البحث عن موطئ قدم في سوق الشغل. وقد جاء هذا التنوع في الحضور مقصوداً لا عشوائياً، إذ يعكس قناعة راسخة بأن التكوين الرقمي لا يُقاس بالكم الذي يستوعبه، بل بالجودة النوعية للفئات التي يُخاطبها.

من منظور المعهد الوطني للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، يُشكّل الاستثمار في هذه الشريحة العمرية تحديداً رهانَ التحول الحقيقي؛ ذلك أن الانخراط في الفضاء الرقمي في مرحلة تشكّل الهوية المهنية وصياغة القناعات الكبرى يختلف نوعياً عن التأهيل المتأخر الذي كثيراً ما يُصادف مقاومة مُتعلَّمة أو إرثاً من الإقصاء الضمني. وقد أثبتت التجربة الميدانية أن الفتاة التي تنخرط في الثقافة التقنية في هذا السن تنتقل بسرعة ملحوظة من موقع المتلقية إلى موقع المنتجة، وهو ما شهدناه بجلاء في هذا اللقاء.

  هل تلمسون فارقاً في التدريبات الموجهة للفتيات؟

 

نعم، وأودّ أن أكون دقيقاً في توصيف هذا الفارق بعيداً عن أي تعميم يُجحف بالحق أو يُكرّس صورة نمطية مُسبقة. الفارق الذي أُلاحظه لا يتعلق في جوهره بالقدرة الاستيعابية أو الكفاءة المعرفية — فهذا وَهْمٌ تدحضه الممارسة الميدانية يومياً — بل يتجلى أساساً في ثلاثة مستويات متمايزة تستوجب معالجة بيداغوجية خاصة.

أولها ما يمكن تسميته بـ'الثقة المعرفية الذاتية'؛ إذ تُبدي الفتيات في مستهل التكوين تحفظاً إزاء المجال التقني، لا يعكس ضعفاً حقيقياً في القدرة، بل هو في معظمه أثرٌ متراكم من خطاب اجتماعي ظلّ يُقصيهن رمزياً عن هذا الحقل لعقود. وهذا التحفظ المُتعلَّم — وهو مكتسب وليس فطرياً — ينهار بسرعة لافتة حين تُوفَّر بيئة آمنة للمحاولة والخطأ، وحين يرى الحضور أن التعلم ممكن وفي متناول اليد.

وثانيها إشكالية النماذج المرجعية، إذ تفتقر كثيرات إلى نساء يشغلن مواقع قيادية في المجال التقني المحلي يمكن الاستئناس بمساراتهن والاستلهام من تجاربهن. وقد كشفت إحصائيات WomenHack الصادرة عام 2026 أن ما يقارب 53% من النساء العاملات في مجال التكنولوجيا يُقرّرن بافتقارهن إلى نموذج أنثوي قيادي يُمثّل مرجعاً لتصوراتهن المهنية، وهو ما يجعل حضور مُكوِّنات في الميدان واجباً استراتيجياً لا خياراً ثانوياً.

وثالثها ما يتعلق بعمق الانخراط وجودته؛ ففي كل مرة تجاوزت فيها الفتيات حاجز الثقة الأوّلي، لاحظت تعاملاً أكثر رصانة ونقدية مع المحتوى التقني، وأسئلة أكثر دقة وعمقاً، وإقبالاً على التطبيق أقل تسرعاً وأكثر منهجية. وهذه سمة أعتزّ بها، لأنها تُفنّد مرة أخرى أسطورة 'التفوق التقني الذكوري' التي لا يسندها دليل علمي رصين.

 

 

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون عامل حماية وأداة تمكين للفتيات والنساء؟

 

أرى في الذكاء الاصطناعي — إن أُحسن توجيهه وأُحيط بوعي نقدي سليم — متغيّراً هيكلياً قادراً على إعادة رسم معادلة التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة المغربية والعربية بصورة جذرية. والأرقام الدولية الراهنة تُحدّد حجم هذا الرهان بدقة لا تحتمل التهوين: يحتل المغرب المرتبة 137 من أصل 148 دولة في مؤشر الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، مسجّلاً أضعف أدائه في محور المشاركة الاقتصادية بنسبة 40.6% فحسب من الفجوة مُغلَقة، مما يضعه في المرتبة 143 عالمياً على هذا المحور تحديداً. وإذا استمر المسار الراهن دون تسريع مقصود، تتوقع التقارير الدولية ذاتها أن يستلزم بلوغ المساواة الكاملة ما يناهز 123 سنة.

 

في مقابل هذا الواقع العسير، يفتح الذكاء الاصطناعي جملة من المسالك التحويلية التي لم تكن متاحة بهذه الصورة لأجيال سابقة. فمن حيث التمكين الاقتصادي، تُتيح أدوات إنتاج المحتوى والتصميم والترجمة والبرمجة بالوصف الطبيعي للمرأة توليد دخل مستقل عبر منصات العمل الحر الدولية، متجاوزةً بذلك القيود البنيوية التي يفرضها سوق الشغل التقليدي من مواقيت صارمة وتحيّزات توظيفية غير مُعلنة. ومن حيث ريادة الأعمال، باتت الفتاة التي تمتلك AI Literacy قادرة على بناء منتج رقمي قابل للتسويق في أسابيع لا سنوات، وبرأسمال أوّلي ضئيل لا يقارن بما كانت تستلزمه المشاريع التقليدية.

 

أما من حيث الحماية الرقمية التي أعتبرها ركيزة لا تقلّ أهمية عن الأبعاد الاقتصادية، فثمة بُعد كثيراً ما يُهمَل في النقاش العام: المرأة هي الفئة الأكثر عرضة للعنف الرقمي والمضايقة الإلكترونية ومحاولات انتهاك الخصوصية. والذكاء الاصطناعي — حين يُفهَم لا حين يُستهلك — يمنح المرأة أدوات فعّالة لرصد هذه الانتهاكات ومجابهتها وتوثيقها، وإدارة هويتها الرقمية بوعي وسيادة. هذا ما أُسميه 'التمكين الوقائي'، وهو شرط أوّلي لأي تمكين اقتصادي فاعل.

غير أن هذه الإمكانات كلها مشروطة بشرط جوهري لا يمكن الالتفاف عليه: أن يترافق الانخراط في عالم الذكاء الاصطناعي مع AI Literacy فعلية ومقصودة، لا مجرد استخدام سطحي للأدوات. فامتلاك الأداة دون استيعاب منطقها يُنتج مستهلِكاً لا مُبتكِراً، ومتأثراً لا مؤثِّراً. والفارق بين هذين الموقفين هو بالضبط الفارق بين من تُشغَّل بالتكنولوجيا ومن تتحكم فيها.

 

 

إلى أي حد يُسهم انفتاح المراكز والمعاهد التكنولوجية على المجتمع المدني في النهوض بأوضاع الفتيات؟ 

 

هذا السؤال يمسّ صميم فلسفة عمل المعهد الوطني للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، ولا أتحرج من القول إنه يُعبّر عن إشكالية هيكلية حقيقية في طريقة تفكيرنا المؤسسي. المؤسسة التكنولوجية التي تقتصر نشاطها على خدمة نخبة تكنوقراطية ضيقة، أو تُحيط نفسها بأسوار الاشتراطات الأكاديمية المعقّدة، لا تُعيد توزيع المعرفة — بل تُكرّس احتكارها. وفي بيئة تعاني من فجوة رقمية جنسانية بنيوية كالتي رصدها تقرير WEF 2025 — حيث لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسجّل أدنى أداء إقليمي في مؤشر الفجوة بين الجنسين بنسبة 61.7% فقط من الفجوة مُغلَقة — تتحوّل هذه المؤسسات المنغلقة إلى عوامل إعادة إنتاج للتفاوت بصمت وبحسن نية في آنٍ واحد.

 

في المقابل، حين تنفتح هذه المؤسسات على الفضاء المدني بشكل فعلي لا إجرائي، تنتقل من دور المورد التقني المحايد إلى دور الفاعل في منظومة العدالة الرقمية. وهذا الانتقال ليس ترفاً نضالياً، بل هو ضرورة موضوعية تمليها المعطيات الديموغرافية والتنموية: استراتيجية المغرب الرقمي 2030 تستهدف تأهيل مئة ألف موهبة رقمية سنوياً في تخصصات البرمجة والذكاء الاصطناعي، وهو رقم طموح لن يتحقق ما لم تكن المؤسسات التكنولوجية شريكة حقيقية للمجتمع المدني، لا مكتفية بالتوجيه من بُعد أو بالانتظار حتى يصل الراغبون في التكوين إلى أبوابها.

 

التجربة المتراكمة لـ للمعهد عبر شبكة مراكز MoroccoLabs في مختلف جهات المملكة تُرسّخ قناعة ميدانية لا تقبل الجدل: الانتقال بالتكوين إلى حيث تعيش الفتيات، لا انتظارهن حيث توجد المؤسسات، هو الشرط الأوّلي لأي تأثير حقيقي وشامل. ولقاءات كلقاء القنيطرة ليست فعلاً تدريبياً معزولاً ولا منحة اجتماعية مؤقتة — هي لبنة في بناء نظام بيئي رقمي أكثر شمولاً وإنصافاً، يرفض أن يترك الجغرافيا أو الجنس أو الانتماء الطبقي حواجزَ للمعرفة.