تعد العلاقات بين الرباط وطهران واحدة من أكثر الملفات الدبلوماسية تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يتعلق الأمر بقطيعة عابرة، تنتهي بانتهاء مبرراتها الظرفية، كما يمكن أن يقع في أي علاقة بين الدول، بحيث يفرض سياق ما نوعا من التباعد، ولكن يتعلق الأمر بتاريخ من التراكمات التي جعلت التقارب هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة، قاعدة استحالة بناء علاقات طبيعية بين نهجين دبلوماسيين متناقضين، نهج مغربي قائم على احترام سيادة الدول، وعلى الواقعية، وعلى الوضوح، وبين نهج إيراني قائم على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعلى إثارة الفتن المذهبية والطائفية، وعلى وهم تصدير الثورة، الذي يقوم على وهم آخر، وهو ان ولاية الفقيه هي ولاية مطلقة تمتد من طهران إلى أي بقعة إسلامية مهما نأت جغرافيا عن غرب آسيا.
إن المواقف المغربية من إيران غير مؤسسة على موقف قبلي من الحضارة الفارسية، او من المذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري، ذلك ان المغرب بخصوصياته الحضارية يسعى دوما إلى بناء جسور التواصل بين الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب، فلقد سبق للملك الحسن الثاني ان استضاف عالم دين شيعي في الدروس الحسنية الرمضانية، كما ان اللغة والثقافة الفارسيتين تدرسان بالجامعات المغربية.
إرث الحسن الثاني والشاه.. حين كانت الدبلوماسية لغة بناء وتنمية
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وهو الأمر الذي جعل العلاقات المغربية الإيرانية تقوم على مبادئ الصداقة والاحترام أيام العهد الملكي، وقد كان الشاه محمد رضا بهلوي صديقا للمغرب، ولم يمنع انتماؤه الشيعي والفارسي من تقاربه مع الحسن الثاني السني المالكي الأمازيغي العربي على مستوى النظرة الواقعية لما كان يعتمل في المنطقة من توترات بسبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتداعياته، وموقفهما من صعود أنظمة قومية عسكرتارية في المحيط الإقليمي.
لقد دعمت إيران الملكية المغرب دبلوماسيا وسياسيا في معركته العادلة لاستكمال وحدته الترابية، فكانت من أوائل الدول التي اعترفت بمغربية الصحراء، هذا الاعتراف الذي ألغاه الملالي سنة واحدة بعد استلامهم السلطة إثر ما سمي ثورة إسلامية.
ولا ينسى من عاشوا مرحلة الشاه زيارته للمغرب، حيث قام رفقة الحسن الثاني بتدشين سد إدريس الأكبر، الذي ساهمت إيران آنذاك في تمويله دعما لسياسة السدود التي أبدعها الحسن الثاني، كما أشرفا حينها على تأسيس شركة استثمارية لدعم المجهود الفلاحي المغربي بغية تأهيله وعصرنته، وهي شركة "مغرب-إيراني"، هذا فضلا عن استفادة المغرب من النفط الإيران بأسعار تفضيلية، وبتسهيلات في الأداء أثناء أزمة النفط التي رافقت حرب أكتوبر 1973، دون ان نغفل عن التعاون العسكري والاستخباراتي المتطور، وخصوصا ان إيران كانت بلدا متطورا على هذين المستويين.
وإذا كان الشاه كثير الزيارات للمغرب، فإن الحسن الثاني كان قد حظي باستقبال تاريخي واستثنائي في إيران إبان احتفالات هذه الأخيرة بمرور2500 سنة على تأسيس الدولة الإيرانية، ورغم ان تلك الاحتفالات عرفت حضور العديد من قادة الدول الكبرى، فإن الاحتفاء بالحسن الثاني كان استثنائيا، وذلك يعود إلى الصداقة التي جمعت الإثنين، والتي يعبر عنها اعتراف الشاه بأنه كان يستشير الحسن الثاني في الكثير من القضايا، وخصوصا الإقليمية منها.
إن العودة إلى هذه المحطات كافية لدحض مزاعم ان المغرب باستقباله للشاه حين تمت الإطاحة يعطي مبررا لإيران الملالي لاستعداء المغرب.
لقد تصرف الملك الحسن الثاني بنبل الكبار، ولم يتنكر للرجل الذي كان صديقا للمغرب، ووقف مع بلادنا في محطات ثلاث مهمة في تاريخ المغرب الراهن ( الاعتراف بمغربية الصحراء، دعم الاقتصاد الوطني الناشئ وخصوصا في القطاع الفلاحي الذي راهن عليه الحسن الثاني، والذي بفضله نعيش أمنا غذائيا، وتسهيل وصول المغرب لاحتياجاته الطاقية في مراحل حساسة، خصوصا ان إيران وقتها كانت قوة اقتصادية وعسكرية).
عن المغرب بقبوله استضافة الشاه كان يدافع عن قيم الوفاء، التي لخصها الملك الحسن الثاني وقتها بقوله: إن المغرب لا يتخلى عن أصدقائه وقت الشدة.
وهو النهج الذي يسير عليه الملك محمد السادس، والذي وقف إلى جانب أصدقاء المغرب في الخليج العربي حين تعرضت بلدانهم لمؤامرات واعتداءات من طرف جارتهم الفارسية.
إمارة المؤمنين مقابل ولاية الفقيه.. صراع الهوية والاعتدال في وجه راديكالية "التصدير"
غير أنه إذا كان المغرب يحترم الخصوصيات الدينية والمذهبية والثقافية لباقي الدول، فإن الواقعية تقتضي القول أنه يصعب في بعض الأحيان إيجاد نقط التقاء مع بعض التعبيرات الدينية او الإيديولوجية او المذهبية القائمة على الكراهية والتعصب، فإذا كانت إمارة المؤمنين المغربية استطاعت ان توجد جسور تواصل مع التدين الشيعي التقليدي الذي لم يتلبس بالاستثمار السياسي، فإنها وجدت نفسها على النقيض من "ولاية الفقيه" التي ابتدعها الخميني ليجعل الدولة أسيرة لاهوت القمع. لقد كان من الصعب إيجاد أرضية مشتركة للحوار بين إمارة المؤمنين القائمة على الوسطية والاعتدال، واحترام الاختلاف والتعددية، والتيسير على العباد، ورفض تحويل الدين إلى أصل تجاري في سوق المزايدات السياسية، والحفاظ على الإسلام بأفقه الروحاني السمح، وبين إيديولوجيا "ولاية الفقيه" الساعية إلى التمدد خارج إطارها الجغرافي، وإلى تصدير ما سمته ثورة، وإلى نشر التشيع العقائدي في أوساط السنة، وإلى التضييق على الحقوق والحريات، ومحاربة حرية الفكر والاعتقاد.
ففي الوقت الذي كان الحسن الثاني يستقبل بابا الكنيسة الكاثوليكية، من اجل تحسين صورة الإسلام، كان الخميني يقوض هذه الجهود بفتوى غبية، تدعو إلى اغتيال الروائي الهندي البريطاني من أصول مسلمة سلمان رشدي.
يصف بعض المحللين إيران بانها تنهج سياسة "الصبر الاستراتيجي" في علاقاتها بالغرب، وفي الحقيقة فإن وصفة الصبر الاستراتيجي تحق على المغرب في علاقته بإيران الخمينية والخامنائية.
فبعد وصول الخميني للسلطة، لم يكن المغرب هو البادئ بالاستعداء، وقد كان ذلك انسجاما مع سياسته القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكن الخميني لم يستوعب عقله المشبع بالثأر والانتقام دلالات استضافة المغرب لصديق في محنة انسجاما مع الإرث النبوي الذي يقول ب "ارحموا عزيز قوم ذل"، فبادر المعمم الخميني بالاعتراف بجمهورية الوهم، والدولة الأصولية لم تكمل عامها الثاني بعد، ثم بدأ باستقبال ودعم الجماعات الأصولية التي كانت متورطة قبلها في جريمة اغتيال الزعيم الاتحادي عمر بنجلون، واستقبلت إيران العديد من قادتها الفارين من العدالة، وعلى رأسهم عبد الكريم مطيع رئيس الشبيبة الإسلامية,
وفرت إيران الغطاء "الشرعي" لتنظيمات الإسلام السياسي المتورطة في الدم، والتي كانت دائمة الحضور في المؤتمرات التي تنظمها الدولة الإيرانية، وتشرف عليها قيادات الاستخبارات والحرس الثوري، بغية تفعيل توجيهات المرشد الإيراني بتصدير الثورة، وتدربت بعض عناصرها عسكريا في مخيمات بسوريا ولبنان كانت تحت سيطرة فصائل فلسطينية ولبنانية مقربة من إيران عقائديا، أو ممولة منها، ومنهم من انتقل بعدها إلى إكمال الخبرة التدريبية بمخيمات الحمادة في تندوف.
ثم انتقلت إيران إلى استهداف المغرب عقائديا، عبر حملات ممنهجة لنشر التشيع، وقد كان استهداف المغرب أساسا في العالم السني، ينطلق من التعظيم والتوقير الذي يكنه المغاربة لآل البيت، وبالتالي كانوا يعتبرون المغرب مهيئا في وهمهم اكثر من غيره لنشر التشيع، وكذلك لضرب مؤسسة غمارة المؤمنين التي اعتبرتها الخمينية منافسا لها على المشروعية الدينية في العالم الإسلامي، على غرار الأزهر الشريف بمصر.
وفي هذا الإطار استهدفت إيران الجاليات المغربية المقيمة بأوروبا، موظفة العديد من مراكزها الثقافية او الدينية، سواء المعلنة او الخفية، وكان النشاط الأكبر في بلجيكا، التي عرفت للأسف تحول العديد من المغاربة نحو التشيع، ومنهم طلبة قاموا بالدعوة للتشيع بعد عودتهم للمغرب، وحتى بعد استئناف العلاقات المغربية الإيرانية على الصعيد الدبلوماسي بداية التسعينيات، واصلت إيران محاولاتها نشر التشيع وسط المغاربة باستثمار الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية بالمغرب، وكذا استهداف الطلبة الذين قرروا استكمال دراساتهم العليا بإيران في شعب اللغات الشرقية.
وقد كان بإمكان إيران أن تحقق اختراقات على هذا الصعيد، لولا تنبه المؤسسات الاستخبارية والبحثية لهذا الخطر، ولولا الإصلاحات الكبرى التي عرفها الشأن الديني ببلادنا، والذي نقل حقل إمارة المؤمنين من المجال الرمزي إلى المجال التداولي.
من التقية إلى التسلح.. اختراق الساحل وبوابة الانفصال تحت المجهر المغربي
ومع تحطم سفينة نشر التشيع على صخرة الإسلام المالكي الصوفي الأشعري الذي ترعاة إمارة المؤمنين، استأنفت إيران منحاها العدائي من بوابة استهداف الوحدة الترابية للمغرب.
وإذا كان منحى الاعتراف الرسمي بجمهورية الوهم سنة 1981 لم تتله وقتها مبادرات لتطوير العلاقات العلنية مع البوليساريو، بسبب إكراهات الحرب الإيرانية العراقية، إذ حتى الجزائر التي بنت علاقات متطورة في العشر سنوات الأخيرة مع إيران، كانت في الثمانييات داعمة ككل الدول العربية للعراق، إلا انه بعد سقوط نظام صدام حسين، واستئثار الفصائل الموالية لإيران بالحكم في العراق، وتطور العلاقات الإيرانية الجزائرية، ستعود إيران مرة أخرى لدعم البوليزاريو بشكل تصاعدي.
وقد كشف المغرب بوضوح سنة 2018 المخطط الإيراني لاستهداف الوحدة الترابية للمغرب، وهو الاستهداف الذي يمكن تلخيصه في ثلاثة محاور رئيسية:
محور الدعم العسكري: وهو المحور الذي قدم المغرب ملفا مكتملا بالأدلة والمعطيات للجانب الإيراني دون أن يتلقى أي جواب، سوى الإنكار حين يكون ثمة إحراج في مؤتمرات صحافية. ولقد كان حزب الله اللبناني هو القناة الرئيسة لهذا الدعم، وخصوصا على مستوى توفير الخبرات القتالية القائمة على التطورات المرتبطة بحرب العصابات، بحيث بعثت إيران خبراء من حزب الله اللبناني إلى مخيمات تندوف لإقامة ورشات تكوينية حول التقنيات الحديثة لحروب العصابات، وخصوصا تلك التي اعتمدها حزب الله في جنوب لبنان عامي 2002 و2006، كما شملت التداريب كذلك عمليات حفر الأنفاق، والتي اعتمدها حزب الله كثيرا في حروبه مع إسرائل، وهي نغس الخبرة التي وفرها لحركة حماس الفلسطينية بإشراف مباشر من قاسم سليماني ومتابعة من عماد مغنية.
ولم يقتصر الأمر على التدريب ونقل الخبرات فقط والمشاورات، والتي كانت السفارة الإيرانية بالجزائر توفر مكان اللقاءات التنسيقية والتشاورية، بل امتد إلى تزويد البوليساريو بصوارخ أرض_جو من نوع "سام 09" و"سام 11" و"ستريلا".
المحور الدبلوماسي: لقد كان لإيران رجلها المكلف بالتنسيق مع البوليزاريو، والذي كان يمارس التقية، مستفيدا من صفة الملحق الثقافي لإيران في السفارة الإيرانية بالجزائر، والمدعو ب" أمير موسوي"، وهو الشخصية التي أشرفت على تنظيم العديد من اللقاءات مع قيادات البوليساريو بمقر السفارة، وأغلبها كان يتم مع اقتراب مناقشة ملف الصحراء المغربية بمجلس الأمن الدولي، إلا انه بعد انكشاف أمره، بفضل حنكة أجهزة المخابرات المغربية، أصبحت اللقاءات بين مسؤولي البوليساريو وعناصر حزب الله تتم في تندوف، وكان الغرض منها إقامة تحالف عسكري بين جبهة البوليساريو وميليشيات حزب الله، ولم يكن الغرض منها فقط استهداف المغرب، بل زعزعة الاستقرار في عموم منطقة الساحل الإفريقي، وقد ساهمت هذه اللقاءات في توفير البوليساريو لمقاتلين تم بعثهم إلى الجبهة السورية، وهو ما كشفه لاحقا تحقيق قامت به الواشنطون بوست.
كما إن إيران كشفت قناعها المقيت، في جلسات اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة المعنية بقضايا تصفية الاستعمار، حيث كانت تحول منصاتها حين تمنح الكلمة إلى واجهة خطابية لتصوير المغرب بلدا محتلا، ولتصوير الانفصال تحريرا، رغم أنها تدعي منافحتها عن وحدة الدول والشعوب الإسلامية، فهل الوحدة الإسلامية تمر من قناة دعم الانفصال بالمغرب، أو دعم قضم سيادة الدولة على جنوبها بلبنان أو دعم قواعد عسكرية لميليشيات مسلحة غير تابعة للدولة كما الحال في العراق؟
وللإشارة فميليشيات الحشد الشعبي بالعراق أخذت إسمها من ميليشيات الباسيج الإيرانية، غذ الباسيج بالفارسية معتاها الحشد بالعربية.
المحور الإقليمي: ونقصد به محاولات إيران لولوج منطقة الساحل والصحراء، عير محاولان تزويد إيران الجبهة الانفصالية بطائرات مسيرة، والتي لم يكن الغرض منها فقط استخدامها ضد المغرب، بل كذلك نقل هذه التقنيات إلى ميليشيات مسلحة، من أجل التأثير في الصراعات البينية بين الدول وبين التنظيمات المتطرفة والانفصالية، ولم تكن إيران بعيدة عن مخطط خنق معبر الكركرات لتسهيل الاضطرابات في المنطقة، لكن هذه المساعي فشلت، ولذلك فإن تحرير معبر الكركارات لم يكن عملية تطهير عادية، بل يندرج في وأد مخطط استراتيجي لإيران والجزائر في مهده. وبالتالي فإن دعم إيران للبوليساريو لم يكن تعاطفا سياسيا يندرج ضمن أكذوبة "دعم حركات التحرر" بل كان مخططا للولوج إلى غرب إفريقيا عبر استغلال هشاشة دول الساحل والصحراء، لكن المغرب أثبت مرة أخرى أنه الدرع الواقي لهذه المنطقة من أي محاولات لإعادة فرض سيناريوهات اللاستقرار.
أما فيما يخص الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، فإن الموقف المغربي المعبر عنه من حلال الاتصالات التي اجراها جلالة الملك محمد السادس مع ملوك وامراء دول الخليج، ومن خلال بيانات الخارجية المغربية، وكلمة وزير الخارجية ناصر بوريطة في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة، تبقى مؤطرة بالاتفاقيات والعلاقات التي تربط المغرب بحلفائه الخليجيين، فإدانة المغرب المبدئية للاعتداءات الإيرانية على الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان والأردن، منسجمة مع مواقفه السابقة حين يتعرض امن الخليج العربي للتهديد.
لقد وقف المغرب إلى جانب السعودية حين كانت إيران تحاول تحويل موسم الحج إلى موعد سياسي لتأليب حجاج بيت الله الحرام على حكامهم، أو إقامة مسيرات ضد دول حليفة لدولة خادم الحرمين الشريفين، كما بعث الحسن الثاني تجريدة مغربية كانت مقيمة بالحدود السعودية القريبة من الكويت بعد اجتياح صدام للكويت، للدفاع عند الضرورة على بلاد الحرمين، واستجاب المغرب لدعوة حلفائه إبان عمليات "عاصفة الحزم" حين كانت الميليشيات الحوثية تهدد أمن الخليج، ووصل بها الأمر قصف مواقع سعودية لها حساسيتها العسكرية والطاقية، وقطع المغرب علاقاته سابقا مع إيران بعد تصريح مسؤول كبير فيها بأن البحرين هي مقاطعة إيرانية، وأدان قصف إيران لقطر السنة الماضية خلال حرب الإثنى عشر يوما بين إيران وإسرائيل,
إن هذه العلاقات المتميزة بين المغرب ودول الخليج ليس لانها أنظمة ملكية، بل لوجود تقاطعات بينية في المواقف بخصوص ما يقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولوجود مصالح مشتركة، إذ تعد دول الخليج عمقا حضاريا للمغرب، كما يعد المغرب عمقا حضاريا لها.
ولذلك فإن دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية هي الدول الوحيدة التي كانت دوما واضحة وحاسمة في مغربية الصحراءـ مما يظهر عمق ومتانة العلاقات، التي تستدعي دائما تحويل الأزمات إلى لحظات لتقوية الروابط البينية وتمتينها، وهو ما قام به المغرب ويقوم بها، وتدركه دول الخليج والمملكة الأردنية، ويحرص الجميع على المحافظة عليه، وعلى قطع دابر أي محاولات للمس بهذه العلاقات.
إن إدانة الاعتداءات على سيادة الدول وامنها واستقرارها، والدعوة لتغليب الحلول الدبلوماسية على العسكرية، هي من ثوابت السياسة الخارجية للمغرب، فما بالك إذا كانت الدول المعتدى عليها من حلفاء المغرب وأصدقائه التاريخيين؟.
في المحصلة، يظهر جلياً أن القطيعة المغربية مع نظام الملالي ليست مجرد موقف عابر، بل هي معركة وجودية للدفاع عن نموذج الدولة الوطنية الحديثة في وجه مشروع 'تفتيت السيادة'. لقد أثبتت الرباط، بقيادة الملك محمد السادس، أنها لا تبيع مبادئها ولا تتنكر لأصدقائها، وفي المقابل، فإنها لا تتساهل مع أي عبث يمس أمنها القومي أو وحدة أراضيها.
وكما قال المرحوم الحسن الثاني: "إن المغرب لا يتنكر لأصدقائه وقت الشدة،" وقال وارث سره محمد السادس:" المغرب، كما يعرف الجميع، لا يغير مواقفه، وليس من يبيع ويشتري في المبادئ. فهو حليف وفي، وصديق مخلص"