هناك لحظات في عمر الزمن يتجاوز فيها الصمت حدود الحياد ليصبح انحيازا صريحا للظلم، فحين تختزل هوية الأمة المغربية العريقة وتبتر أدوارها من متون التاريخ الرسمي سواء العربي منه أو الاسلامي، فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد سهو في التدوين، بل عن عملية طمس ممنهجة لأمجاد امبراطورية رفضت أن تكون مجرد صدى لمركزية مشرقية احتكرت القلم والسلطة لقرون طويلة، ومناسبة هذه المكاشفة هو السؤال الذي يطرحه مغاربة هذا الجيل، عن سبب الحقد والكذب والتدليس الذي يفوح من بين سطور حملات التشهير الذي يتعرض لها المغرب، من قبل من وضعنا القدر الى جانبهم في خانة الجوار والأخوة والعروبة والدين.
ولعل أبرز ما تعرض له المغرب خلال السنوات الأخيرة من هجمات بنبال “الأشقاء”، نجد على سبيل الذكر لا الحصر، ما رافق نهائيات كأس إفريقيا المغرب 2025 من لغط وتشكيك لم يتوقف منذ انطلاقتها إلى غاية المباراة النهائية، بالرغم من الإمكانيات الهائلة التي وفرها المغرب في البنية التحتية، والاستعدادات التنظيمية المتقدمة، وبنية الملاعب الحديثة والمعايير التقنية التي تجاوزت التوقعات، مما جعل هذه النسخة استثنائية في تاريخ البطولة ، حتى اعتبرتها الفيفا والكاف نموذجا يحتذى به في استضافة الكبار، وقد تلقى المغرب إشادات واسعة من شخصيات رسمية ورياضية، إلا أن هذا النجاح لم يمنع استمرار الحملات الإعلامية المضللة التي حاولت تقزيم الإنجاز وتنشيط السرديات المشككة، لتنطلق مراسيم "اللطميات" داخل بلاتوهات الاشقاء، بعد اعلان الكاف تجريدها السنغال من لقب الكان واعتبار المنتخب المغربي فائزا بثلاثية في النهائي
ولم يكن ذلك سوى حلقة ضمن سياق أوسع، عشناه جميعا عبر حملات التشويش المرتبطة بالعلاقات المغربية الإسرائيلية، التي قدمها اعلام الاشقاء خارج إطارها السيادي، رغم ما أفرزته من نتائج دبلوماسية وإنسانية ملموسة، حيث لعب المغرب، بقيادة محمد السادس، دور وساطة هادئة وفعالة، بتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف إقليمية، أفضى في يوليوز 2022 بتدخل شخصي من جلالة الملك محمد السادس، إلى التوصل لاتفاق يقضي بفتح معبر "اللنبي" بين الضفة الغربية والأردن، في خطوة أدت إلى التخفيف من معاناة الفلسطينيين وتيسير تنقلهم، كما ساهمت هذه القنوات في تسهيل إيصال مساعدات إنسانية مغربية إلى قطاع غزة عبر المعبر البري كرم أبو سالم في اوج الحرب.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وقبل ذلك، ظل ملف الصحراء المغربية ساحة مفتوحة للتضليل وترويج السرديات الانتقائية، في تجاهل لمحددات التاريخ ومرجعيات القانون الدولي، كما لم تسلم قضية سبتة ومليلية من محاولات التبسيط والتشويه، رغم كونها من أقدم القضايا الاستعمارية العالقة في شمال إفريقيا، إنها، في جوهرها، معركة سرديات لا تقل ضراوة عن معارك الميدان، حيث لا يستهدف المغرب في جغرافيته فحسب، بل في صورته، وتاريخه، وحقه في أن يُروى كما هو… لا كما يُراد له أن يكون.
لكن، إذا تأملنا اليوم حملات الكذب والتشهير التي يواجهها المغرب، يتضح أن محاولة تفسيرها في الحاضر وحده لن تعطي سوى إجابات سطحية، ففهم أصل هذه الحملات يتطلب الغوص في أعماق التاريخ، في الزمن الذي صيغت فيه الروايات الرسمية من زاوية واحدة، زاوية المشرق، حيث البلاطات الرسمية كانت تتحكم بالقلم والذاكرة الجماعية، وتهمش الأطراف التي لم ترغب في الركوب في قطار التبعية، لهذا فإن معرفة سبب الاستهداف المستمر للمغرب، رغم إنجازاته ومواقفه التاريخية، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال قراءة دقيقة لمسار المغرب كمملكة مستقلة وكيان عصي على التدجين، من معاركه الكبرى ضد القوى الأوروبية، إلى رفضه الانصهار في طوع الحكم المشرقي، وصولا إلى دوره الفعلي في حماية القيم والمبادئ الإسلامية في أبهى صورها، فالتاريخ وحده يكشف لماذا بقي المغرب، رغم عظمته وإنجازاته، هدفا للحملات المضللة، ولماذا استمرت محاولات طمس دوره، في صراع دائم بين القوة المستقلة في المغرب وسرديات المركز في المشرق.
دعونا ننطلق من حيث لا يوجد اختلاف، الا وهو الذكر الحكيم ودستور المسلمين، حين نفتح المصحف على سورة الكهف نجد ذِكر قصة ذو القرنين وما بلغه من أقاصي الأرض، فيقول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَوَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، هذه الكلمات النورانية هي تجسيد لوحي حكيم في كتاب لا ينطق عن الهوى، صالح لكل زمان ومكان، ذكر فيه المغرب بالحرف الواضح، وفي السنة النبوية الشريفة، وردت إشارات تؤكد فضل أهل المغرب ومكانتهم في آخر الزمان، كما جاء في الحديث: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"، و هو حديث شريف يعكس ثباتا وعدالة واستقامة في أمة المغرب، ويجعل من الشعب المغربي امتدادا طبيعيا لروح الصمود والتضحية التي تجلت منذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد، حيث كان أهل المغرب، المعروفون بالوفاء والصدق، يدافعون عن الدين ويحمون أهل البيت في الوقت الذي كانوا يتعرضون للقتل والتنكيل في المشرق كما هو حال المولى إدريس الأول بن عبد الله حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب الذي جاء إلى المغرب هاربا من بطش الخلافة العباسية.
لقد دفع المغرب ثمن استثنائه غاليا فكونه الدولة المسلمة الوحيدة التي استعصت على التبعية للخلافات المشرقية والعثمانيين، جعل مؤرخي بلاطات تلك العصور يتعاملون معه بنوع من الانتقام البارد، فمثلا معركة وادي المخازن في المناهج العربية يصورها التاريخ الإسلامي وكأن القوة الوحيدة التي واجهت أوروبا هي الدولة العثمانية، لكن الحقيقة التي يخشى مؤرخو البلاطات قولها هي أن المغرب خاض بمفرده أعتى ملحمة ضد البرتغال وحلفائها وأنقذ العالم الإسلامي من التفاف استعماري لا احد ضمن ساعتها ان لا يصل إلى مكة والمدينة، هذا النصر الذي حققه السعديون تم تهميشه في كتابات الشرق، لأن الاعتراف بعظمة أحمد المنصور الذهبي كقائد عالمي بنى دولة أمة مستقلة كان يزعج الرواية المشرقية التي تريد أن تحصر كل فعل إسلامي في مركزها هي فقط.
ويما ان المناسبة شرط، لنتأمل هذا التناقض العجيب، حين تتحقق المعجزات الكبرى على يد المغاربة يختفي اسم المغرب لتحل مكانه عبارات فضفاضة مثل العرب او المسلمين، فتجد الكتابات المشرقية تقول فتح المسلمون الأندلس أو انتصر المسلمون في الزلاقة مع انها إنجازات مغربية صرفة حققها المغرب انقاذا للكوارث التي تسببت فيها الصراعات في المشرق، لكن حين يتعلق الأمر بنكبات المغرب يترك وحيدا في مواجهة القدر فيصبح احتلال سبتة ومليلية على ألسنة الاشقاء شأنا مغربيا لا احتلالا لأرض المسلمين، ويمر اغتيال إدريس الأول كحدث عابر لا كاغتيال امام للمسلمين، وتغيب التحرشات العثمانية بالحدود المغربية، لكي لا يخدش وقار الخلافة المزعومة، بالرغم من انها تحرشات تمت على بلاد المسلمين، بل و تمتد هذه العقدة التاريخية إلى واقعنا المعاصر، فحين نجحت الوساطة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس في إعادة فتح معبر "اللنبي" بين الأردن والضفة الغربية غاب اسم المغرب ونسبوا الإنجاز للوساطة العربية، وحتى عندما شكل المغرب استثناء بإدخال مساعدات إنسانية إغاثية لغزة برا، كأول دولة توفر شحنات مباشرة عبر معبر كرم أبو سالم في اوج الحرب، قاموا بتذويب اسم المغرب وسط المساعدات العربية التي كانت تلقى عبر الطائرات من السماء وتجرفها الرياح الى البحر وتشوه صورة أبناء غزة وهم يقتتلون للحصول على ما تركته الرياح لهم منها من فتات، وبمجرد أن تفرض السياسة إكراهاتها وتسدل المصالح الأيديولوجية والاجندات الجيوسياسية ستارها، ينتقل الفعل من طمس اسم المغرب الى الهجوم عليه، ويصبح هدفا سهلا للتخوين والتشهير وتنسى كل تضحياته التي قدمت بصمت الكبار لصالح الفلسطينيين لترفع في وجهه بطاقة التطبيع وما يرافقها من عزف نشاز على عبارات تخوين مزعوم لم يتواجد يوما الى في ذهن ناشريه، ولم يكن الا على ايدي كاتبيه.
وبينما تنشغل المزايدات بتوزيع صكوك الوطنية والخيانة وتشويه دور المغرب في نصرة فلسطين بتمويل ممن رفضت المملكة الخضوع الى سلطتهم ذات الزمن القديم، وعارضت اجنداتهم الجيوسياسية في عصرنا الحديث، يقف باب المغاربة وحارة المغاربة في القدس الشريف كأكبر صفعة تاريخية في وجه الرواية المشرقية التي تحاول تهميش هذا الدور، فقصة حي المغاربة تكشف كيف أنه حين حرر الناصر صلاح الدين الأيوبي القدس بأيدي المغاربة، اختار أصعب الثغور وهي المنطقة الملاصقة لحائط البراق، وأسكنهم فيها وحين سئل عن سبب هذا الاختيار قال كلمته الشهيرة "أسكنت هناك من يثبتون في البر، ويبطشون في البحر وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة"، لقد أدرك صلاح الدين أن أهل المغرب يمتلكون صلابة ووفاء تجعلهم حراسا لا يلينون، ولذلك فإن رئاسة المغرب للجنة القدس اليوم ليست مجرد تشريف دبلوماسي بل هي استمرار لتلك الأمانة التاريخية، تكسر كل حملات الزييف والتشويه الذي يتعرض له المغرب ودفاعه عن الفلسطينيين.
هذا الزخم الديني والتاريخي هو التجسيد الحي لشموخ أمة غاب من كتابات علماء ومؤرخي البلاطات المشرقية، امة لم تكن يوما مجرد إقليم تابع للمركزيات المتناحرة في المشرق، بل كانت وما تزال كيانا مستقلا بقراره، شامخا في هويته، أما المعضلة فلم تكن في النصوص القرآنية أو النبوية، ولا في الاحداث التاريخية، بل في النساخ والمؤرخين الذين كتبوا التاريخ من زاوية واحدة، فزيفوا السردية وفق أهواء المركز، وهمشوا المملكة الشريفة التي رفضت السير في ركابهم، وبهذا أصبح المغرب هدفا دائما لتقزيم دوره التاريخي والديني رغم عظمته ومكانته الأصيلة في تاريخ الأمة الإسلامية.
بعد هذه المكاشفة التاريخية، يتضح لنا أن الهجمات التشهيرية التي يواجهها المغرب اليوم ليست أحداثا معزولة، بل هي امتداد لعرف ترسخ عبر قرون في الذهنية العامة للمشارقة بسبب رفض المملكة محاولاتهم تطويعها وجعلها كيانا تابعا لهم، وبقيت هدفا دائم الحضور على قائمة اشقاء في المشرق، يضمرون لها عداء غير معلن في الواقع لكنه واضح المعالم في انتاجاتهم الإعلامية ومناوراتهم السياسية وسردياتهم التاريخية، وبالتالي يصبح فهم الخلفيات التاريخية المشرقية شرطا أساسيا لتفسير المشهد الحالي والتعامل معه بوعي وحكمة.