بداية، لنضع مسلسل "مولانا" في مكان، ولنضع البقية، كل البقية التي عرضت في شهر رمضان الحالي، في كل القنوات والمنصات، في الأمكنة الأخرى التي ترونها ملائمة لها.
في هذا العمل الذي لعب بطولته بتميز مذهل النجم تيم الحسن (رفقة أسطول من ملوك اللعب والتشخيص، فارس الحلو، ووسيم قزق ومنى واصف والبقية) تقدم لنا كاتبة القصة لبنى حداد، وفق رؤية إخراجية متميزة لسامر البرقاوي، حكاية التأرجح بين الوهم والحقيقة، وتنجح في طرح السؤال إن كان في الإيمان بالوهم المريح الحل للهروب من الواقع الأليم.
تصنع القصة أبطالها من العدم، بفعل صدفة حادثة سير تسبب فيها حمار، وتنتقل عبر تطورات العقدة الدرامية لملامسة المواضيع الكبرى، لكن دون جدية مبالغ فيها، أي دون دراما ملحمية أصبحت تتحول إلى كاريكاتير في أغلب الأعمال التلفزيونية العربية.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وللتركيز على القصة سبب حقيقي، هو أن نجاح أي عمل في التلفزيون (أو في غير التلفزيون) سببه الرئيسي وجود الورق الجيد قبل التصوير، أي وجود قصة حقيقية مكتوبة بطريقة إبداعية فعلا، تستحق بعد ذلك صرف إمكانيات إنتاجية ضخمة عليها من أجل تصويرها، وتقديمها للناس.
هذه البديهية لازالت تغيب عن أذهان تلفزيوننا المغربي وناسه، أو هم في الحقيقة يتفادون التوقف عندها كثيرا، لأن التعامل مع الكتاب الحقيقيين متعب وشاق وممل، فيما اللجوء لبدعة "الخلايا النائمة بين تفاصيل الكتابة"، مريح وزهيد ولا مخاطرات تحفه، أو تحيط به، ولا مغامرات.
وطالما بقينا في طور الخوف من الكتابة/ الكلمة، وطالما ظلت القصص ترتكب على عجل، أو على جهل، أو عليهما معا، وطالما أصبحنا نكتفي من القصة أو السيناريو بسطر فكرة أولى، ونترك المجال في بقية الحلقات للارتجال المعيب، فلن نستطيع في يوم من الأيام تقديم أعمال مغربية من قبيل "مولانا" في تلفزيوننا المحلي.
نعم، لدينا طاقات تشخيصية مرعبة وهائلة، ولدينا ممثلون وممثلات أكفاء، ولدينا تقنيون محترفون، ولدينا شركات راكمت تجارب مهمة في الإنتاج وتنفيذه، ولدينا مخرجات ومخرجون قادرات وقادرون على الأفضل حقا، ولدينا قنوات تلفزيونية تقول (ونحن نصدق قولها) إنها تريد تشجيع الدراما المحلية، لكن لدينا مشكل صغير وكبير في آن واحد، هو الخوف من الكتابة/ الكلمة ومن الكتاب.
ومعذرة على تكرارها إلى يوم الدين: فعل الكتابة ليس فعلا تقنيا تدرب عليه أشخاصا معينين، وتطلقهم في أرض العمل التلفزيوني أو السينمائي بقرار.
لا، هذا فعل إبداعي خاص وخطير، دونه الموت فعلا إذا كان حقيقيا ومتوفرا على كل شروط الخلق والإبداع، وهو في غير متناول الجميع، ولن يتغير حال منتوجنا الدرامي المحلي إلا إذا عثرنا على توليفة عاقلة ومنطقية وفنية بين الوهم والحقيقة، مثل تلك التي عثر عليها مسلسل "مولانا".
الهروب من وهم الإبداع من عدم، والوصول إلى حقيقة البدء من حيث ابتدأ من سبقونا في المجال: الاقتناع ذات يوم بأنه في البدء كانت الكلمة.
في "مولانا" يسقط جابر جاب الله (زابر زاب الله، حسب اللثغة الجميلة التي لعبت لوحدها دورا خاصا وكاملا في هذا العمل) في فخ الإيمان بالوهم الذي باعه للآخرين، ويصبح مؤمنا هو الآخر أنه صاحب بشارات حقيقية، ومالك كرامات، هاربا في نهاية العمل من العودة إلى واقعه الأول الأليم، عندما كان مجرد فار من العدالة بتهمة قتل زوج أخته الذي كان يضربها.
تكتب كلمة هذا المسلسل بإتقان جيد للغاية الرحلة منذ ابتدأت وحتى أكملت دورتها في الاختتام: هروبا من الواقع، واستعانة بالوهم، لإكمال المسار والمشوار.
لعله تلخيص جيد لأمور كثيرة تحدث في واقعنا، في التلفزيون وفي غير التلفزيون، يصعب علينا حل عقدها والإشكالات، فنلجأ إلى الوهم هاربين لحلها، ونعتقد فعلا أننا قد انتهينا من حل الإشكال.
للتأمل، وللفرجة الواعية الذكية المرحة، فقط، لا غير.