خديجة الرباح: التمييز الإيجابي حسّن تمثيلية النساء لكنه لم يضمن بعد نفاذهن إلى مراكز القرار السياسي

أحداث. أنفو الثلاثاء 10 مارس 2026
20260310_173100
20260310_173100

في هذا الحوار، تتحدث خديجة الرباح، رئيسة الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، عن حصيلة التجربة المغربية في اعتماد آليات التمييز الإيجابي، وعن أبرز التحديات التي تعيق التمكين السياسي للنساء، كما تقدم تصورها لسبل تجاوز هذه الإكراهات وتعزيز حضور النساء في مواقع القرار.

** عرف المغرب إصلاحات دستورية مهمة إلى أي حد ساهمت هذه الإصلاحات في تعزيز المشاركة السياسية للنساء؟

عرف المغرب إصلاحات دستورية مهمة أفضت لأول مرة في تاريخه إلى تضمين مبدأ المساواة في القانون، باعتباره جوهر دولة الحق والقانون. وقد فتح هذا التحول الدستوري المجال أمام اعتماد آليات التمييز الإيجابي دون حرج فقهي أو دستوري، بعدما ظل عدد من الفقهاء الدستوريين لسنوات يعتبرون أن اعتماد نظام “الكوطا” يشكل خرقا لمبدأ المساواة أمام القانون.

وفي هذا السياق، تم اعتماد آليات التمييز الإيجابي منذ سنة 2002 على المستوى الوطني، ثم منذ سنة 2009 على المستوى الترابي. غير أن هذه الآليات، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في إحداث التحول المطلوب من مجرد تعزيز التمثيلية العددية للنساء إلى تمكينهن الفعلي من المشاركة في صنع القرار السياسي. ويرجع ذلك أساساً إلى أن عدداً من الأحزاب السياسية ما زال لا يعتبر ولوج النساء إلى مراكز القرار جزءاً جوهرياً من ترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية المستدامة. كما أن غياب تصور واضح للتمكين السياسي للنساء يجعل مشاركتهن السياسية واقعاً قائماً شكلياً، دون أثر حقيقي في دوائر صناعة القرار.

** ما أبرز التحديات التي لا تزال تعيق المشاركة السياسية للنساء؟

يمكن إجمال هذه التحديات في أربعة مستويات رئيسية: التحديات القانونية، والمؤسساتية، وتحديات العنف السياسي، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالمعرفة والمعلومة.

فعلى المستوى القانوني، ورغم التطورات التي عرفتها الترسانة القانونية، فإنها ما تزال تعاني من نوع من الهشاشة وعدم التكامل، كما أنها لا توفر الحماية الكافية من مختلف أشكال العنف والتمييز. ويرجع ذلك إلى أن العديد من المقتضيات صيغت بمنطق يتيح الولوج إلى المؤسسات المنتخبة، دون أن يضمن النفاذ الحقيقي إلى مواقع القرار، كما هو الحال بالنسبة للوائح الجهوية أو اللوائح المختلطة أو المقاعد المخصصة للنساء.

أما على المستوى المؤسساتي، فيبرز ضعف ثقافة المساواة داخل العديد من الأحزاب السياسية، إلى جانب غياب آليات حقيقية للتمكين السياسي للنساء، وعدم وضوح معايير الترشيح في الانتخابات. كما تعاني النساء المناضلات والمرشحات من ضعف الدعم المادي والمعنوي، في ظل استمرار مظاهر الزبونية والمحسوبية والعلاقات العائلية داخل التنظيمات الحزبية، التي يفترض فيها أن تكون فضاءات لتكوين النخب وإنتاج القيادات، وليس لإقصاء الكفاءات النسائية.

** كيف يتجلى العنف السياسي الذي تتعرض له النساء في المجال السياسي؟

العنف السياسي ضد النساء يتخذ أشكالاً متعددة، من بينها العنف الرمزي والنفسي واللفظي والجسدي، إضافة إلى العنف الاقتصادي والرقمي. وهذه الممارسات تعكس في جزء كبير منها استمرار الثقافة المجتمعية الدونية والتمييزية تجاه النساء. والمؤسف أن بعض المؤسسات الحزبية والمنتخبة لم تبذل الجهود الكافية لتغيير هذه الثقافة أو التصدي لها، بل في أحيان كثيرة تطبعت معها.

** هل هناك أيضا تحديات مرتبطة بالمعرفة والمعلومة؟

نعم، فهناك تحديات مرتبطة بضعف امتلاك المعرفة والمعلومة الضرورية لخوض غمار الانتخابات التشريعية والجماعية. فالمشاركة السياسية الفعالة تتطلب إلماماً بالقوانين الانتخابية، وآليات العمل السياسي، وأساليب التواصل مع الناخبين، وهي مجالات تحتاج إلى مزيد من التأطير والتكوين لفائدة النساء الراغبات في الانخراط في العمل السياسي.

** ما العمل لمواجهة هذه التحديات وتعزيز المشاركة السياسية للنساء؟

مواجهة هذه التحديات تتطلب عملا متكاملا على عدة مستويات.

أولا، على مستوى المشرع، من خلال تطوير القوانين والسياسات العمومية بما يضمن الانتقال من مجرد التمثيلية إلى المشاركة الفعلية في صنع القرار، والبحث عن صيغ أكثر نجاعة لآليات التمييز الإيجابي.

ثانيا, على مستوى الأحزاب السياسية، التي ينبغي مساءلتها حول كيفية تدبيرها للاستحقاقات الانتخابية، وحول قدرتها على الانتقال من منطق التدبير المشخصن إلى منطق قائم على الكفاءة والاستحقاق والنتائج.

ثالثا، على مستوى الإعلام، الذي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في إبراز الكفاءات النسائية والتعريف بها، ومواكبة مساراتها السياسية، إضافة إلى تسليط الضوء على مختلف أشكال العنف والتمييز التي تتعرض لها النساء في المجال السياسي.

رابعا، من خلال تقوية قدرات المجتمع المدني وتعزيز دوره في اليقظة والمواكبة، وفي رصد مختلف الخروقات التي تطال النساء المناضلات في الحقل السياسي.

وفي الأخير، يبقى الرهان الأساسي هو مواصلة التعبئة والتحسيس من أجل تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة، باعتبارها المدخل الحقيقي لبناء مشاركة سياسية نسائية فاعلة ومؤثرة.