حين تراود المرء فكرة الحديث عن فترةٍ بعينها من مسيرةٍ حافلةٍ تزخر بنشاطات سياسيةٍ متميزة في علاقات بلدين شقيقين بحجم ومكانة المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، لابد من استحضار معالم الماضي التليد لتلك العلاقات التي تتميز بعمق الوشائج التاريخية الأصيلة ، ومتانة الأواصر الأخوية الصادقة، وعراقة الروابط الثنائية الوطيدة من خلال الوفاء لعرى التضامن والتكافل، وعبر التشبث بالقيم المشتركة النبيلة في الدفاع عن الأهداف والمبادئ التي تشكل جوهر سياسات البلدين ومواقفهما تجاه القضايا الإنسانية الملحة في عالم اليوم الذي يضج بالكثير من المتغيرات، وتتنازعه الأزمات التي كادت أن تغدو قاعدة ، بينما أصبحت حالة الاستقرار واستتباب الأمن وكأنها نوع من الاستثناء. ولابد أيضاً من التوقف ملياً عند أهمية التأكيد على ضرورة حماية المصالح المشتركة للبلدين كدرع لتحصين علاقاتهما على مختلف المستويات والأصعدة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.
وسأحاول في تكثيفٍ غير مخل، أن أسلط الضوء على الفترة القصيرة الماضية من مسيرة علاقات بلدينا الشقيقين دون الاقتصار على استعراض ما تم من إنجازات، بل بمحاولة تحليل أبعادها كلما اقتضى الأمر ذلك. فقد شهد العام المنصرم 2025م عدة تطورات هامة على الصعيد السياسي كان من أهمها تعزيز التواصل الدائم بين قيادتي البلدين، وذلك تأكيداً لنهج الحوار والتشاور والتنسيق المستمر حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء تعلق الأمر بملفات بالتعاون الثنائي أو ضمن الاهتمامات المرتبطة بتطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ظل الأدوار الهامة التي يضطلع بها البلدان تجاه القضايا الحيوية والاستراتيجية. وقد عكست واقعية هذه السردية الرسالة التي حملها صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، وزير الدولة عضو مجلس الوزراء من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظهما الله إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. الرسالة تضمنت تأكيد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد لأخيهما جلالة ملك المغرب على عمق العلاقات الأخوية المتينة بين بلدينا وسبل تعزيزها وتنميتها في شتى المجالات. ولا حاجة هنا للتذكير بمدى أهمية هذا الموقف الذي عبرت عنه الرسالة بوضوح تام بين طياتها، حيث أنها حملت مضامين سياسية قوية ووجهت رسائل مباشرة عن خصوصية وتميز العلاقات السعودية المغربية. ولا يخفى أن دبلوماسية الحوار والتواصل بين قيادتي البلدين كانت دائماً مبنية على فكرة التشاور وروح التنسيق في ظل مبدأ الوضوح والشفافية الذي يمثل مرآة صادقة لوحدة الرؤية والأهداف تجاه كل ما فيه تكامل البلدين ومصلحة الشعبين الشقيقين.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي في علاقات التعاون بين البلدين وفي إطار النشاط الدبلوماسي لسفارة المملكة العربية السعودية، كانت السفارة ضيف شرف في الحفل الدبلوماسي الخيري للمؤسسة الدبلوماسية للعام 2025م برعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا حسناء، التي ما فتئت تقدم مختلف أشكال التضامن الإنساني لدعم الأعمال الخيرية التطوعية لصالح الفئات الاجتماعية المستحقة للمساعدة.
أما على الصعيد الاقتصادي فقد شهدت الفترة الماضية إجراءات ملموسة لتعزيز الشراكة الصناعية بين البلدين من خلال تفعيل اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين البلدين وهي إطار لتحفيز الاستثمارات وحمايتها وزيادة حجم الاستثمار في قطاعات اقتصادية هامة مثل صناعة السيارات والمعادن، خاصة مادة الفوسفات والصناعات المتصلة بها، وكذلك لتعزيز ثقة المستثمرين وضمان شروط جاذبة للتمويل والتعاون في سلاسل الإمداد والصناعات الاستراتيجية بهدف توطيد الشراكة الصناعية بين البلدين، وتعزيز الاستثمارات السعودية بالمغرب، وزيادة حجم الصادرات بين البلدين، إضافة إلى تطوير الاستثمارات المتبادلة في مشاريع الطاقات المتجددة لدعم المشاريع التنموية والبني التحتية. من جانب آخر برز خلال الفترة الأخيرة تركيز خاص من الجهات السعودية والمغربية المختصة على الاستثمارات السياحية من أجل تطوير السياحة في البلدين والرفع من عدد السياح من كل بلد للآخر ، حيث حققت المملكة خلال العام المنصرم أكثر من (106) مليون زائر ، منهم(27.4) مليون زائر دولي ، بينما حقق المغرب المرتبة الأولى في القارة الإفريقية من ناحية عدد السياح من خلال جذب عشرين مليون سائح خلال عام 2025م، والاستفادة من تلك الأرقام وجعلها عنواناً للعمل المشترك لتطوير قطاع السياحة وجعله أحد الرافعات الهامة للتنمية الاقتصادية في البلدين.
كما تنبغي الإشارة إلى أن شركة (أكوا) السعودية التي تستثمر برأس مال ضخم في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالمغرب، اتجهت حالياً لتنفيذ استثمارات كبرى في مجال طاقة الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة وادي الذهب في إطار عرض المغرب الذي يعمل على استقطاب كبار المستثمرين العالميين، حيث خصصت الحكومة المغربية أراض لاحتضان ستة مشاريع كبرى من بينها مشروع شركة (أكوا) السعودية، وتهدف هذه المشاريع التنموية الضخمة أولاً إلى تحويل أقاليم المغرب الجنوبية إلى منصة عالمية لإنتاج (الأمونياك) والوقود الاصطناعي، وثانياً إيجاد فرص عمل عالية التخصص للكفاءات المغربية، ودعم الاقتصاد المحلي من خلال تنشيط سلاسل الإمداد، وثالثاً تعزيز السيادة المغربية في مجال الطاقة. وقد تزامنت كل تلك الفعاليات الاقتصادية بانعقاد الاجتماع الرابع عشر للجنة المشتركة السعودية المغربية في مارس 2025م بمكة المكرمة، حيث أكد سمو وزير خارجية المملكة بالمناسبة حرص المملكة العربية السعودية على تنمية وترسيخ التعاون مع المغرب في كافة المجالات. وجاءت بعدها زيارة وفد هام يضم أكثر من ثلاثين من كبار رجال الأعمال السعوديين للمغرب، حيث التقى الوفد بعدد من الوزراء في الحكومة المغربية والعديد من المسؤولين في القطاع الاقتصادي المغربي، وكذلك رجال الأعمال المغاربة بهدف بحث الفرص المتاحة للاستثمار بالمغرب وتنمية الاستثمارات المشتركة بين البلدين.
إلى ذلك غني عن القول إن الموقع الهام للمملكة العربية السعودية الذي يربط منطقة الشرق الأوسط وشرق ووسط القارة الإفريقية بالقارة الآسيوية ، وما تتوفر عليه المملكة من إمكانيات اقتصادية ضخمة ورؤية مستقبلية محكمة ، وكذلك الموقع الهام للمملكة المغربية في شمال إفريقيا كبوابة تربط بين قارتي إفريقيا وأوروبا ، وما تتوفر عليه من اقتصاد متنوع وواعد وخطط مستقبلية طموحة ، كلها عناصر تجعل من الشراكة السعودية المغربية رافعة عملاقة للتنمية المستدامة في البلدين ، ووسيلة إسهام فاعل في تحقيق التقدم والاستقرار في المنطقتين العربية والإفريقية.
إن هذا الزخم والمناخ الإيجابي الذي أفرزته كل تلك التحركات السياسية والمبادرات الدبلوماسية في شقيها الثقافي والاجتماعي والفعاليات الاقتصادية بين البلدين ، كانت بمثابة محطات مضيئة في مسيرة تكامل سعودي مغربي مشرف زاده أهمية انعكاس ضوء تلك المحطات على سماء العلاقات التاريخية الشامخة لبلدينا الشقيقين مما أضفى عليها المزيد من الألق لتمضي تحتها قدما وإلى الأمام مسيرة التعاون والإخاء بكل ثقة واطمئنان إلى أهدافها المنشودة وفق توجيهات القيادتين الرشيدتين لمملكتينا الغاليتين من أجل إنجاز التقدم والرخاء والازدهار والاستقرار ،وتحقيق كل التطلعات الكبرى للشعبين السعودي والمغربي ، والله راعينا وحامينا وهو نعم المولى ونعم النصير.
*سفير المملكة العربية السعودية لدى المملكة المغربية