فجأة، كما لو أن شيئا لم يكن، ولى الجميع وجهه عن القصر الكبير، عاد السكان إلى بيوتهم، صُرفت التعويضات، وعادت المدينة إلى إيقاعها الطبيعي بعدما نجحت الدولة في تدبير الأزمة بأقل الخسائر المادية والبشرية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء: لماذا يخفت الضجيج حين تنجح التجربة، ويعلو فقط عندما يبحث البعض عن مستنقع جديد؟
لم تكن القصة قصة تساقطات قياسية فحسب، ولا حكاية غضب طبيعة عابرة، إنها حكاية مجتمع يجد نفسه كل مرة أمام امتحان جديد، فيجيب عليه بلغة قديمة متجددة، التضامن. فحين ارتفع منسوب المياه، ارتفعت معه القيم، المغربي في لحظة الشدة لا يسأل: من أنت؟ بل ماذا تحتاج؟ سؤال بسيط، لكنه يلخص عقيدة وطنية غير مكتوبة.
ذلك التماسك ليس رد فعل عاطفي عابر، بل بنية ثقافية متجذرة، في الشمال كما في الجنوب، يتجدد ذلك الشعور بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل شبكة من الأكتاف المتساندة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في الميدان، كانت الدولة حاضرة بوجهها العملي، سلطات محلية تتابع التفاصيل الدقيقة، عناصر الوقاية المدنية تخوض الماء والوحل لإنقاذ الأرواح، وقوات مساعدة تشتغل تحت المطر كما لو أنها جزء من المشهد الطبيعي نفسه، لجان اليقظة لم تكن مجرد عنوان إداري، كانت تعبيرا عن تحول عميق في تدبير المخاطر، الدولة المغربية اليوم لا تنتظر الكارثة لتبكي عليها، تتحرك قبلها وأثناءها وبعدها كآلة منسجمة هدفها الأول حماية الإنسان.
قد لا يكون كل شيء مثاليا، فالكوارث بطبيعتها تكشف نقاط الضعف كما تكشف نقاط القوة، لكن الفارق كان في الإرادة، إرادة الاستباق بدل رد الفعل، وإرادة العمل بدل الاستعراض، وهذا ما جعل الشمال، رغم قسوة الشتاء، يبدو وكأنه ورشة تضامن مفتوحة، لا ساحة انهيار.
غير أن كل مشهد تضامن يجذب أيضا من يحاول الاصطياد في الماء العكر، فمع ارتفاع منسوب اللكوس، ارتفع أيضا منسوب الأخبار الزائفة، وخرج ما يمكن تسميته بـ"ذباب المستنقعات" ليبث صورا مجتزأة وسرديات مشوشة.
هناك من راهن على الفشل، لأن نجاح التجربة المغربية يزعج رهاناتهم، وهناك من يستغل معاناة الناس لتصفية حسابات سياسية أو خدمة أجندات خارجية، لكن القصر الكبير، مثل مدن الشمال كلها، لم يكن مجرد نقطة على الخارطة، إنه خطوط حمراء لا تقبل المزايدة ولا الابتزاز الإعلامي.
المغاربة يعرفون الفرق بين النقد المسؤول والتشويش المغرض، الأول يعزز البناء، والثاني يقتات على الشقوق، وبين الاثنين، يختار المغاربة دائما الرهان على "تمغربيت"، العمل بصمت، التضامن بالفعل، والإيمان بأن الوطن أكبر من كل حملات التشكيك.
الشتاء الطويل علمنا دروسا قاسية لكنها ضرورية، علمنا أن الأوحال تجف، وأن المياه تعود إلى مجاريها، لكن القيم التي تظهر في لحظة العاصفة هي التي تبقى.
"قصرنا الكبير" عاد لسابق عهده، ليس فقط بحجارته وشوارعه، بل بروح أهله، المغرب يخرج من كل امتحان أقوى، لأن الصورة بسيطة وعميقة في آن، الفيضان يخلف المستنقع، والمستنقع يطلق الذباب، والذباب يبحث دائماً عن ما هو فاسد ليتكاثر فيه، وإذا نقلنا هذه الاستعارة إلى واقع اليوم، سنجد أن الكارثة الطبيعية لا تنتج فقط أضرارا مادية، بل تفتح أيضا فضاء رقميا ملوثا، حيث يظهر "الذباب الإلكتروني" بوصفه ظاهرة موازية للفيضان نفسه، أما الفيضان الرقمي فرفع منسوب الضجيج، فجأة انتشرت صور بلا سياق، فيديوهات قديمة يعاد تدويرها، عناوين صادمة بلا تحقق، الذباب الإلكتروني لا يصنع الحدث، بل يقتات على حوافه، هو لا يسعى للفهم بقدر ما يسعى للتضخيم، ولا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الانفعال.
في لحظات الأزمات، يتحول هذا الذباب إلى عدو أول للوعي الجماعي، لأنه يشتغل بمنطق المستنقع، كلما زادت الفوضى، زادت فرصه في التكاثر، هناك حسابات تبحث عن الإثارة لأجل المشاهدات، وأخرى توظف المآسي لتصفية حسابات سياسية أو إيديولوجية، وربما جهات خارجية تراهن على صورة بلد مرتبك أكثر مما تراهن على حقيقة ما يجري على الأرض.
لكن المفارقة أن المجتمع نفسه يمتلك مضادات طبيعية، كما أن الشمس تجفف المستنقعات، فإن الوعي الجماعي قادر على تجفيف بيئة الأخبار الزائفة، المغاربة، في لحظات الشدة، يميزون بين من يحمل المجرفة ومن يحمل الهاتف بحثا عن الإثارة، بين من يمد اليد لإنقاذ إنسان، ومن يمد الكاميرا لاصطياد مشهد صادم.
إن الذباب الإلكتروني، مهما علا صوته، يظل ظاهرة مؤقتة، لأنه لا يعيش إلا في بيئة الركود، أما مجتمع يتحرك، يتضامن، ويواجه واقعه بعيون مفتوحة، فهو كالماء الجاري، لا يسمح للمستنقع أن يستقر طويلا.