تكشف المعطيات الفصلية للتعددية الصادرة عن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن حضور النساء كفاعلات في الفضاء العمومي، وكمتدخلات في البرامج الإخبارية وبرامج النقاش الإذاعية والتلفزية، لم يتجاوز خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2010 و2025 نسبة 19 في المائة من الحيز الزمني الإجمالي لمداخلات الشخصيات العمومية. وقد يبدو هذا الرقم تقنيا في ظاهره، غير أنه يطرح في العمق تساؤلات جوهرية حول مكانة المرأة في صناعة الرأي العام ومساهمتها في تشكيل الوعي الجماعي داخل المجتمع المغربي.
وفي هذا السياق، أكدت خولة أسباب بنعمر، المخرجة والكاتبة الصحفية والناشطة في مجال حقوق المرأة، في تصريح لموقع “أحداث.أنفو”، أن مسألة التمثيل الإعلامي للنساء لا ترتبط فقط بالصورة التي تظهر على الشاشة، بل تعكس في جوهرها نموذجا مجتمعيا وخيارا حضاريا. وأوضحت أن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يساهم أيضا في إعادة تشكيله والتأثير في مساراته، من خلال الطريقة التي يقدم بها النساء ودورهن في المجتمع.
وتعزز هذه القراءة ما تكشفه بيانات الهيئة ذاتها بخصوص التغطية الإعلامية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والجماعية لسنة 2021، حيث لم تتجاوز نسبة النساء ضمن الفاعلين السياسيين الذين تدخلوا في وصلات الحملة الانتخابية الرسمية 32 في المائة في المتوسط، بينما لم يتعد حضور النساء الناشطات سياسيا في البرامج الإخبارية التي واكبت الفترة الانتخابية 19 في المائة. وهي أرقام تعكس استمرار الفجوة بين التمثيلية السياسية للنساء وتمثيليتهن الإعلامية، وتطرح تساؤلات حول مدى التكامل بين المسارين السياسي والإعلامي.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وترى بنعمر أن هذا الواقع ينبغي فهمه أيضا في ضوء الإطار الدستوري الذي أرساه دستور 2011، خاصة ما يتعلق بمبدأ المساواة وحظر جميع أشكال التمييز، إلى جانب الأدوار المنوطة بالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تتبع احترام التعددية وضمان صورة منصفة للنساء داخل المضامين السمعية البصرية.
كما تشير المتحدثة إلى أن التزامات المغرب الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تشكل مرجعية أساسية ينبغي استحضارها عند تقييم الخطاب الإعلامي ومضامينه. غير أن الإشكال، بحسب رئيسة جمعية “جسور ملتقى النساء المغربيات”، لا يقف عند حدود النصوص القانونية، بل يمتد إلى السياسات العمومية المرتبطة بالمساواة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء.
وفي هذا الإطار، تؤكد بنعمر أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب آليات رصد وتقييم تعتمد مؤشرات كمية ونوعية، تقيس حضور النساء في مواقع الخبرة وصناعة القرار، وتتابع في الوقت ذاته طبيعة السرديات التي يتم إنتاجها حولهن داخل الفضاء الإعلامي.
وتلفت المتحدثة إلى أن اختزال المرأة في أدوار نمطية، أو تقديمها في صورة الشفقة أو الإثارة، يعكس خللا في المعالجة التحريرية ويكشف في الوقت نفسه عن فجوة في الوعي الثقافي. وفي المقابل، يمكن للإعلام أن يؤدي دورا تحويليا حقيقيا إذا اختار إبراز المرأة كفاعلة في مجالات الاقتصاد الأخضر والابتكار والصناعة الثقافية والعمل السياسي، بما يجعله رافعة للتنمية وإعادة توزيع الرمزية الاجتماعية داخل المجتمع.
وتخلص خولة أسباب بنعمر إلى أن تحقيق تمثيل إعلامي عادل للنساء يتطلب انخراطا متكاملا يشمل تشريعات حامية، ومؤسسات رقابية فاعلة، وسياسات عمومية واضحة، إضافة إلى مؤسسات تعليمية قادرة على تكوين صحافيين واعين بالتحيزات الضمنية، إلى جانب قطاع ثقافي وفني يساهم في إعادة كتابة السرديات من داخل المجتمع. فالقضية، في نظرها، لم تعد تتعلق فقط بحضور المرأة في الصورة، بل بموقعها في صناعة هذه الصورة: من يكتب، من يخرج، من ينتج، ومن يملك حق التأويل. وهناك تحديدا يتحدد المعنى الحقيقي للمساواة، ويُختبر مدى نضج الإعلام المغربي وقدرته على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.