لهيب الحرب على إيران والموانئ المغربية

بقلم الأستاذ الباحث هشام الميلودي الثلاثاء 03 مارس 2026
hicham miloudi
hicham miloudi

في كل مرة يضطرب فيها قلب الشرق الأوسط، ترتجف أطراف العالم. فهذه البقعة التي تجثو بين ثلاث قارات لم تكن يوما هامشا جغرافيا، بل كانت على الدوام مسرح الوحي، ومهد الحضارات، وملتقى القوافل، ومرمى أطماع الإمبراطوريات. من باطن أرضها نبع الذهب الأسود الذي يحرك عجلة الاقتصاد العالمي، وعلى سواحلها تنعقد عقد الممرات البحرية التي تخنق أو تطلق أنفاس التجارة الدولية. لذلك لم تكن الحروب فيها حروبا محلية، بل كانت دائما تشق طريقها إلى الخرائط البعيدة، تعيد رسم موازين القوى، وتفرض على الدول، القريبة منها والبعيدة، أن تعيد حساباتها في الأمن والاقتصاد والتحالفات.

الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل مثلت نقطة تحول في معادلات القوة في الشرق الأوسط وفي أمن الطاقة والممرات البحرية العالمية. المغرب، رغم بعده الجغرافي عن مسرح العمليات، يوجد في قلب هذه التحولات بحكم اعتماده على واردات الطاقة، وارتباط اقتصاده بالتجارة البحرية، وموقعه عند بوابة الأطلسي والمتوسط، واندماجه المتزايد في شبكات التحالف الغربية. لذلك فهذه الحرب ليست حدثا بعيدا عن مصالحه، بل عاملا يعيد تشكيل بيئته الاستراتيجية والاقتصادية في آن واحد.

 

أول انعكاس مباشر للحرب يظهر في سوق الطاقة، حيث يؤدي تهديد مضيق هرمز واستهداف بنى تحتية مرتبطة بإيران وحلفائها إلى ارتفاع حاد في اسعار النفط والغاز. بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد على الاستيراد لتلبية حاجاته من المحروقات، يعني ذلك زيادة فورية في كلفة الفاتورة الطاقية، وضغطا على الميزانية العمومية والميزان التجاري، وارتفاعا في تكاليف النقل والإنتاج. كل هذا يغذي موجات تضخمية تضيق على القدرة الشرائية وتزيد من حساسية الوضع الاجتماعي. بالتوازي، يؤدي تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب إلى تحويل جزء مهم من حركة السفن بعيدا عن قناة السويس نحو مسار أطول يمر برأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياما إلى زمن الرحلات البحرية ويرفع كلفة الشحن والتأمين، وينعكس على أسعار السلع المستوردة وانتظام التزود.

 

في المقابل، هذا الاضطراب نفسه يعزز أهمية الموقع البحري للمغرب. مع التفاف السفن حول إفريقيا ثم صعودها شمالا نحو مضيق جبل طارق، تتحول الموانئ المغربية، وعلى رأسها طنجة المتوسط والدار البيضاء، إلى نقاط ارتكاز طبيعية في إعادة تنظيم سلاسل التوريد العالمية. طنجة المتوسط، بفضل طاقته الاستيعابية الكبيرة وبنيته التحتية الحديثة وترابطه مع مناطق صناعية ولوجستية، يجد نفسه في موقع مثالي ليكون مركز ترانزيت لإعادة شحن الحاويات وتوزيعها نحو أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين. هذا يمنح المغرب فرصة لترسيخ مكانته كفاعل محوري في تجارة العالم البحرية، وإن كان ذلك يتطلب استثمارات اضافية في الطاقة الاستيعابية، والرقمنة، والربط السككي والطرقي، حتى لا يتحول الازدحام إلى نقطة ضعف.

 

هذه الدينامية البحرية تعيد أيضا تشكيل ميزان المنافسة في غرب المتوسط، خاصة مع الموانئ الإسبانية المجاورة مثل الخزيرات وفالنسيا وبرشلونة. قبل الحرب كان منحنى الأرقام يميل أصلا لصالح طنجة المتوسط، الذي بدأ يتفوق في حجم الحاويات وفي مؤشرات التنافسية. ومع تعمق الأزمة في البحر الأحمر والحرب على إيران، ازدادت جاذبية الضفة الجنوبية للمضيق، ما دفع بعض كبريات شركات الملاحة إلى تحويل جزء من عملياتها إلى طنجة. هذا التطور دفع الموانئ الأندلسية إلى محاولة التنسيق فيما بينها، والضغط على مدريد وبروكسيل لتعديل السياسات التي تجعلها أقل تنافسية، في مواجهة نموذج مغربي أكثر مرونة من حيث الكلفة والتنظيم. عمليا، يتحول المغرب من مجرد مكمل للمنظومة المينائية الأوروبية إلى منافس بنيوي على زعامة اللوجستيك في البوابة الغربية للمتوسط.

 

على المستوى السياسي والأمني، تضع الحرب على إيران المغرب أمام واقع جديد في شبكة تحالفاته. الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتقارب المتزايد مع أوروبا، والعلاقات العسكرية والأمنية مع إسرائيل، كلها تكتسب وزنا إضافيا في سياق إقليمي يسوده عدم اليقين. القوى الغربية تحتاج إلى شركاء مستقرين في الضفة الجنوبية للمتوسط لتأمين خطوط الملاحة، ومراقبة التهديدات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية، وموازنة نفوذ قوى اقليمية منافسة. المغرب، باستقراره النسبي وقدرته على لعب دور مرساة أمنية في شمال غرب افريقيا، يمكنه استخدام هذه الورقة لتعزيز مواقفه في ملفات حيوية، خاصة قضية الصحراء، ولرفع مستوى الدعم السياسي والاقتصادي الذي يتلقاه. في المقابل، تضعف صورة إيران كراع محتمل لخصوم المغرب الإقليميين، بينما يجد خصمه التقليدي، الجزائر، نفسه أكثر التصاقا بمنطق الريع الطاقي والتسليح التقليدي، في وقت يتجه فيه الغرب إلى تفضيل الشراكات المبنية على الاقتصاد واللوجستيك والطاقة النظيفة.

 

ورقة الطاقة الخضراء تضيف بعدا استراتيجيا آخر لصالح المغرب. الحرب على إيران تعمق شعور أوروبا بعدم الاطمئنان لمصادر الطاقة القادمة من مناطق التوتر، وتسرع بحثها عن بدائل اكثر استقرارا وقربا جغرافيا. هنا يظهر المغرب بصفته بلدا طور استثمارات مهمة في الطاقات الشمسية والريحية، ويدفع نحو مشاريع الهيدروجين الأخضر، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب والربط الكهربائي مع الضفة الشمالية للمتوسط. إذا نجحت الرباط في تسريع هذه المشاريع وربطها باتفاقات طويلة الأمد مع الشركاء الأوروبيين، فإنها ستتحول من مستهلك هش للطاقة إلى شريك في أمن الطاقة الأوروبي، ما يمنحها وزنا تفاوضيا كبيرا وقدرة أفضل على تحييد آثار صدمات النفط.

 

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن الأثر الاستراتيجي للحرب على إيران بالنسبة للمغرب مزدوج: مخاطر اقتصادية واجتماعية ملموسة على المدى القصير والمتوسط، مقابل فرص جيوسياسية وبحرية وطاقية على المدى المتوسط والبعيد. النجاح يكمن في ادارة هذه اللحظة بحس براغماتي: التحوط أمام ارتفاع الأسعار عبر سياسات اجتماعية وجبائية مدروسة، الاستثمار الذكي في الموانئ والبنية التحتية اللوجستية، تسريع التحول الطاقي نحو المتجددة والغاز، واستثمار الحاجة الغربية الملحة لشركاء مستقرين لانتزاع مكاسب سياسية واضحة. اذا استطاع المغرب ان يوازن بين هذه العناصر، فإن هذه الحرب، رغم كلفتها العالية على النظام الدولي، قد تتحول إلى رافعة لترسيخ موقعه كقوة صاعدة في غرب المتوسط وافريقيا، تجمع بين بوابة البحر، وممرات الطاقة، وشبكات التحالف.