سيدي الخبير!

بقلم: المختار لغزيوي الاثنين 23 فبراير 2026
cdn4.premiumread
cdn4.premiumread

منذ الخبرة المبالغ فيها التي ظهرت أيام الفيضانات، من طرف الجميع ضد الجميع، أصبح صعبا التوقف عند سقف تشاؤم محدد، قلناها ونعيدها. 

لذلك لا استغراب لكل الخبرات الجديدة التي ظهرت في الأنترنيت بعدها. 

منها خبرة معرفة الانتحار من الطابق الرابع، هل هي ممكنة أم لا؟ ومنها خبرة اليقين التام أن حادثة دراجة السير مع الشرطي "مفبركة"، لماذا؟ "لإلهاء الشعب عن الحوادث الأخرى". ومنها خبرة معرفة أسرار المفاوضات بين وليد وفوزي حول ثمن المغادرة الطوعية، ومنها خبرة نصح السيد ترامب حول كيفية تسيير مجلس السلام، دون نسيان خبرة القوم في الإعلام الجديد والإعلام البديل وإعلام الذكاء الاصطناعي والدهاء البشري والغباء الحيواني، وبقية (الإعلامات)، ومنها أيضا خبرات أخرى لا داعي لسردها، بل يكفي التجوال في عوالم مواقع التواصل العجيبة لاكتشاف خوارقها وبقية ما تسببه من كرامات. 

هل الأمر سيء فعلا في نهاية المطاف؟ 

لا ندري، ولا أحد يدري. فمطالبة الناس بأن يتحدث كل شخص في الموضوع الذي يفهم فيه فقط أمر يقترب من ديكتاتورية فرض الأشياء على البشر. 

كما أن محاولة منع الكل من التعبير عن كل ما يريد الإنسان التعبير عنه مسألة شبه مستحيلة في عالم اليوم. 

لذلك يبدو التعامل الأقرب إلى العقل هو ترك عملية "السريح الجماعي" هذه تأخذ مجراها وواديها إلى أن تصل إلى المصب. 

أي مصب هو؟ 

اللهم أعلم، المهم أنه مصب وكفى. 

من نلوم في هذه النازلة؟ 

الحقيقة اللوم يجوز في حق الكثيرين، وعلى رأسهم أصدقاؤنا في منصة "يوتوب". 

وهذه الأيام الرمضانية، أحاول في إطار مراجعة فكرية للنفس والأداء، أن أشاهد كل البرامج الحوارية أو "البودكاستات" التي يبدعها ويقدمها أصحابها في النيت، وأحاول فعلا أن أجد في بعضها ما يفيد، وأحاول فهم سر استسهال بعضها الآخر لعملية التطفل على ميادين جد معقدة وتتطلب فهما دقيقا، ومعرفة أدق. 

منها ميداننا مثلا، الصحافة، الذي أشاهد فيه خبراء يتحدثون عن كواليس كواليسه، ويبتكرون عبارات الخبرة فيه وفي كيفية قيادة الجماهير من خلاله، ويصطنعون ويدعون علاقات خطيرة ليس مع الأشخاص فقط، بل مع دول وأجهزة أجنبية، ويحركون رؤوسهم أثناء الحديث بطريقة تشير إلى أنهم يعرفون المزيد من الأسرار الخطيرة، لكنهم يفضلون الصمت غير الحكيم الآن في انتظار أيام أفضل. 

أعترف بها وأنا في كامل قواي العقلية، ودون الخضوع لأي ترهيب أو ترغيب: لم أعد أتابع الأخبار منذ زمن طويل. أصبحت فقط أتابع الخبراء المحلفين في أي منصة وجدتهم "متكيين" فيها، وأتسلى كثيرا بهذا المتابعة، وأعرف في قرارة نفسي أن الشعب المغربي لا يستحق هذا الجيش العرمرم من النصابين ومنتحلي الصفات، لكنني أتذكر مقولتنا العامية البليغة "كلها كيعطيه ربي على قد نيتو"، فأقتنع بحاجتنا إلى مجهود جماعي إضافي، لا يستثني أحدا، في مجال "النية" هذا، لعل وعسى يعود للعقل بعض من عقله، ويجد شيء من الحياء طريقه إلى الأعين الوقحة التي تخرج نفسها فينا آناء الليل وأطراف النهار، وهي تفتي فيما لا تفقه فيه الذي بعث. 

الخلاصة؟ 

"هاد الشي اللي عطا الله والسوق"، وكفى.