كشف الفيديو الذي نشره الزميل محمد لغروس عن جزء صغير من جبل جليد إعلامي كبير، ظل الكثيرون يفضلون عدم الحديث عنه، وظل المشهد الإعلامي المغربي يتعامل معه على أساس أنه "موجود وغير موجود والسلام".
لغروس رد على أمين عام حزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران، الذي كان يتحسر في لقاء حزبي على ضياع جزء من الإعلام المساند له سابقا، وانتقاله إلى ضفة عزيز أخنوش، حسب تصور ابن كيران ومن معه. وهو تصور - للأمانة - تقليدي جدا، ولانريد أن نقول متأخر أو متخلف، للإعلام ولطرق اشتغاله ولمختلف العوالم الخاصة به.
وقبل الدخول قدما في الموضوع، وجب القول إننا نصدق الزميل لغروس، ونكذب ابن كيران، ولنا الكثير مما يدفعنا لذلك من أسباب وجيهة، قد يأتي أوان تبيانها التفصيلي فيما بعد، أما الآن فنفضل البقاء مع خرفاننا وعلاقتها بالإعلام بعد أن هش عليها لغروس بعصا مؤلمة فعلا، كشفت جزءا من مستور مزيف، تحدثنا عنه باستمرار، ورفض جزء كبير من المشهد الإعلامي المغربي مسايرتنا فيه لأغراض، وليس لغرض واحد، في نفس أكثر من يعقوب متعدد في هذا المشهد العجيب.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
هل تتذكرون عبارة "المؤلفة جيوبهم"، التي قدمناها نحن للمشهد الإعلامي المغربي على طبق مما أردتم، ورددها بعدنا الجميع بنوايا مختلفة ؟
أكيد تتذكرون.
ويوم وصلت "العدالة والتنمية"، إلى الحكومة كنا الوحيدين تقريبا، أو كالوحيدين في التنبيه إلى خطورة لعبة هذا الحزب بالإعلام المغربي، غثه وسمينه، وضعيفه وقويه.
حينها انخرط آخرون في لعبة حلب ضرع البقرة الإعلامية، وقد سقطت بين يدي الجزار الإسلاموي، وكلف المشتغل لديه بتولي حقيبة القطاع، وفتح المجال لكل "الجناوا" التي كثرت من أجل ازدراد مايمكن ازدراده.
كان هناك مثالان صارخان عن عملية الاستفادة هذه: مثال جريدة يومية تحولت إلى ناطق رسمي باسم هذا الحزب، مقابل استفادة مالية مهولة، ومقابل تسريب معلومات من داخل الحكومة لها باستمرار.
ومثال من وضع اليد في يد هؤلاء الحكوميين/المتحكمين الجدد من أجل أن يكتبوا له باسمه المشهد الصحافي المغربي، وأن يستفيد هو الآخر ماديا، وبعدها أن يستفيد معنويا، من خلال نيل المباركة الإخوانية، لتولي مقاليد القطاع.
نعم، كنا وحدنا تلك السنوات نقول إن العدالة والتنمية لديه إخوان له في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، قاموا باللعبة ذاتها مع وسائل الإعلام هناك، وسينفذ بالحرف والفاصلة تلك الخطة هنا في المغرب، أو على الأقل سيحاول تنفيذها.
قلنا أيضا في تلك السنوات، التي تبدو بعيدة الآن، مع أنها تنتمي إلى الأمس القريب، إن خطة "الملاءمة" صنعت من أجل إقحام من وصفهم ابن كيران في هجومه الأخير، غير المؤدب كثيرا، على زميلنا لغروس، وعلى موقعه "العمق المغربي"، بأنهم "كانوا عندنا وكانوا ديالنا"، من ناشطين ومتعاطفين إخوانيين في ميدان الصحافة المغربية بعد أن تقرر أن يصبحوا إعلاميين وصحافيين (مثلما تقرر في وقت آخر لناشطين في 20 فبراير أن يمسهم المصير ذاته وفق تصور آخر) .
قلنا أيضا في تلك الأعوام إن سبب حنق وغيظ وغل ابن كيران ومن معه علينا نحن هو أننا اخترنا المغرب انتماءا، ورفضنا عملية الاستفادة المالية والمعنوية من هذا القرب الملتبس كثيرا من حزب "العدالة والتنمية"، ولم ينسها لنا فعلا ابن كيران، وجعلنا محتوى من محتويات فيديوهاته وبودكاستاته، المسكين، بعد الخروج من الحكومة إلى الصالون.
أتذكر في يوم من الأيام، والصراع على أشده بين من تبقوا في وزارة الاتصال، من المؤمنين ببقائها حكما حقيقيا بين الصحافيين، وبين من أتى بهم "البيجيدي"، إلى العرفان ومدينتها لكي يعيدوا رسم المشهد الإعلامي المغربي من جديد، أن مسؤولا قال لكاتب هذه الأسطر "بحثنا داخلكم عمن يستطيع المقاومة (مقاومة المال ومقاومة القرب من الحكومة) فلم نجد إلا القلائل، وهذا أمر مرعب ينذر بأن عملية الاستعداد للبيع هي ليست صعبة جدا عند العديدين".
تذكرت قولة ذلك المسؤول، يوم شرع ابن كيران ومن معه في ترديد عبارة "النكافات"، واتهامات بيع الذمة لحكومة أخنوش في حق كل من رفض الدفاع عن "العدالة والتنمية"، أو لم يقبل ترديد روايته، أو لكي نتحدث لغة الإعلام الإخواني "سرديته".
ووجدت تفسير الحدة كلها في أن الرجل يقوم بعملية إسقاط لما فعله هو في حق الآخرين. فهو اشترى العديدين وكلفهم بالمهمات المتعددة، لذلك لايمكنه أن يتخيل أن من يرفض الذهاب معه في روايته يفعل ذلك من تلقاء مبدأً أو اقتناع.
عند التيار الإخواني، كل شيء يباع ويشترى. كل شيء...دون أي استثناء.
الحكاية هي حكاية ماملكت اليمين، وحكاية إماء وجواري، وحكاية عبيد يتم اقتناؤهم والعصا معهم، وحكاية مريدين "كانوا عندنا وكانوا ديالنا"، حسب تعبير ابن كيران نفسه، يتم أمرهم بالسمع والطاعة، فيقول "سمعنا وأطعنا"، ويمتثلون.
لذلك عندما قلنا ذات يوم "المؤلفة جيوبهم"، كنا نعرف جيدا ما الذي نحن قائلوه.
بعض هؤلاء "المؤلفة" دخل السجن بسبب حب المال وبقية شهوات الدنيا هذا، وبعضهم فقد بريقه الذي ميزه سابقا في المشهد الإعلامي، وأضحى مجرد مقامر في كازينو الإعلام وضع "الجوطونات" كلها في الخانة الخطأ، فخرج مفلسا وإن كان لازال يتوفر على مال كثير. وبعضهم هو في البين -بين الشهيرة الآن، ينتظر لمن ستؤول الأمور لكي يذهب مسرعا لتقديم فروض السمع والطاعة لمن سيدفع أكثر مجددا.
وبعضهم هرب بجلده بعد أن فطن للمقلب، فاستحق من ابن كيران ومن معه اليوم الكلام غير المؤدب وغير العاقل، الباكي فقط على مامضى من مجد إعلامي هو كالوهم، أو هو الوهم فقط.
كل الزبد، وهذه تعلمناها في ديننا الحق، وفي قرآننا الكريم، ذهب ويذهب وسيذهب جفاء، وسيبقى فقط في الأرض ماينفع الناس، ومايرتبط بالأرض حقا وفعلا.
الأرض بمعنى الوطن، لا الجماعة، ولا الحزب، ولا الطائفة، ولا النقابة، ولا بقية الانتماءات الصغيرة الزائفة المبنية فقط على الزائف والعابر من المصالح.
وقديما قيل "وبه وجب الإعلام…والسلام"، نحن نقول اليوم في زمن تطاول الجميع على الإعلام: للكلام صلة، وتتمة، وبقية. إنتظرونا، فلازال في جراب حاوي الإعلام الحقيقي المزيد والمزيد…