عاشت بلادنا ظرفية صعبة جراء السيول والأمطار الطوفانية الاستثنائية التي عرفتها مناطق مختلفة، في أيام معدودات، وبشكل متواتر وغير منقطع، وخصوصا في الأقاليم الشمالية ومنطقة الغرب، هذا الوضع الذي أدى إلى حدوث فيضانات مهولة، وإلى انجراف التربة في عديد المناطق الجبلية، مما رفع تكلفة الخسائر المادية، سواء تلك المرتبطة بالممتلكات الخاصة، او تلك المرتبطة بالبنيات التحتية.
وقد نجحت بلادنا على مستوى تدبير هذه الكارثة الطبيعية الاستثنائية، خصوصا على المستوى الاستباقي المتمثل أساسا في عمليات النقل المؤقت الآمن للسكان نحو مناطق مؤمنة من الفيضانات، مع التكفل باحتياجاتهم الأساسية من الإطعام والتطبيب والتدفئة، بل شملت عمليات الإجلاء حتى قطعان المواشي مع توفير العلف الكافي لهم، أو على مستوى التدخلات الميدانية المرتبطة بعمليات الإنقاذ، وتدبير تصريف حقينات السدود الممتلئة، وفتح المسالك الطرقية، وغيرها.
وحتى الذين ألفوا الانتقادات دون مراعاة لسياق الوضع الاستثنائي الذي كان يتطلب تعاضد كل الجهود، وإسناد القائمين على عمليات الإنقاذ، لم يجدوا ما ينتقدون به نجاعة التدخلات، سوى الركون إلى إعادة الحديث عن مشاكل بنيوية سابقة للحظة الفيضانات، من قبيل التخطيط العمراني، والتأخر في إنجاز بعض المشاريع التي كان من الممكن ان تقلل من الخسائر المادية المرصودة، وهي انتقادات برغم وجاهتها، فإتها لا تمس جوهر التدخلات، بل هي متعلقة أساسا بأداء مؤسسات أخرى ليست هي التي تكلفت بمواجهة تداعيات الفيضانات.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
ومجمل القول إن أداء جميع فرق الإنقاذ واللوجيستيك والتدخل والتنسيق كان مستويات عالية من النجاعة والجاهزية والتشبيك المنتج، مما يؤكد استفادتها من التراكم والتجارب السابقة خلال كوارث ماضية، ومما يؤكد أن التنسيق بين المستويين المدني بقيادة وزارة الداخلية، والمستوى العسكري الموكول للقوات المسلحة الملكية يبين بوضوح اننا امام دولة كالجسد الواحد، تحت قيادة موحدة وحكيمة وشرعية لا نقاش حولها.
إذن، فنحن بإزاء لحظة وطنية بدلالات وأبعاد مستقبلية، تجعل في هذه المحنة الكثير من المنح والانتصارات والدروس التي هي بمثابة الترجمة العملية لمقولة: الضربة لا تقسمك تقويك.
لقد كنا أما سيول وفيضانات غير مسبوقة تسببت في مدة قصيرة في اجتياح أكثر من 120 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالمياه، وهي من أخصب النطاقات الفلاحية المهمة سواء على مستوى الفلاحة التصديرية، او على مستوى تزويد الأسواق المحلية بحاجياتها من الخضر والفواكه، كما أدى هذا الوضع إلى إجلاء أكثر من 180 ألفا من السكان، وتسجيل خسائر متفاوتة في الطرق والجسور وشبكات الري والإنارة، فضلا عن الأضرار الكبيرة التي مست الممتلكات الخاصة وخصوصا المساكن والمتاجر والمستودعات والإسطبلات ومحلات التخزين.
إن الأمر لا يرتبط في الأساس بأرقام وإحصائيات، بل يرتبط بمعيش الساكنة، ووجودها، وثقافتها، واجتماعها البشري، ومستقبل استقرارها في المنطقة، وخصوصا أنها جغرافية مرتبطة بالأرض والماء والوديان، وبالفلاحة وتربية الماشية، والحرف المرتبطة بهاذين المجالين، مما يجعل كل عمليات الإنقاذ ومحاصرة التداعيات الظرفية للكارثة، تبقى دون اكتمال وناقصة، إذا لم يتم إقرار إجراءات ما بعد الكارثة الطبيعية، من شانها تعويض الخسائر المادية، وإعادة تأهيل المنطقة والساكنة، حتى تعود دورة الحياة الطبيعية إلى مجراها.
ومن هنا يأتي التفاعل الملكي السريع عبر توجيهاته لوضع برنامج دعم واسع ومندمج لفائدة الأسر والمجموعات الترابية المتضررة من هذه الفيضانات، وتأتي كذلك الاستجابة الحكومية السريعة، التي ترجمت هذه التوجيهات إلى قرارات واضحة ومرقمة.
وبناء على هذه التعليمات الملكية، أعلنت الحكومة عن إعلان أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة مناطق منكوبة، عقب تقييم ميداني دقيق لحجم الأضرار على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وهو القرار الذي يسمح بتفعيل الآليات القانونية المتعلقة بصرف المعونات الطارئة وفقا للقانون المتعلق بإدارة الكوارث الطبيعية.
كمت خصصت الحكومة ثلاثة مليار درهم لصالح برامج الدعم المالي، وإصلاح البنيات التحتية، والتعويض عن الخسائر، بما يشمل إعادة الإسكان، والتعويض عن فقدان الدخل، وإعادة تأهيل المنازل والمحلات المتضررة، والمساعدات التي تلبي الحاجيات الأساسية المستعجلة للسكان، والدعم المباشر للفلاحين ومربيي الماشية.
إن هذه الإجراءات تتجاوز أهميتها تكلفتها المالية، ذلك أنها ستساهم في إعادة بناء الاستقرار الاجتماعي بتلك المناطق المتضررة، فهذه التعويضات هي بمثابة رسالة طمانة للمواطنين بأن حقوقهم مضمونة، وبان لا خوف على مستقبلهم، وبأن الدولة التي عملت على إجلائهم حفظا لأرواحهم، هي نفسها الدولة التي تفكر في مآلاتهم ما بعد الكارثة، وسيحد هذا الإجراء كذلك من أي محاولات مستقبلية من أي جهة كانت، للاستثمار في الكارثة سواء انتخابيا، او في محاولات تحويل غضب الناس من تأخر التعويضات إلى حطب لاحتجاجات اجتماعية خدمة لأجندات غبر بريئة، كما حدث في وقائع مشابهة، أدى فيها سوء تدبير لحظات ما بعد الفاجعة او التأخر في التعويض أو التأهيل أو إصلاح البنيات المتضررة إلى حدوث نوع من التفكك في العلاقة الوثيقة التي بنتها المؤسسات مع المواطنين أثناء الكارثة.
كما ان هذه الإجراءات ستساهم في دعم الاقتصادات المحلية في المناطق المنكوبة، فإعادة تشغيل الأسواق المحلية، والمسالك الطرقية التي تربيط بين المدن والتجمعات القروية، سيساهم لا محالة في استعادة الأنشطة الفلاحية والحرفية والتجارية التي تعتمد عليها آلاف الأسر بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ليس في المناطق المنكوبة فقط، بل حتى في المناطق الأخرى المرتبطة تجاريا او اقتصاديا او تمويليا، وبالتالي ينعكس الأمر إيجابا حتى على الاقتصاد الوطني، وخصوصا ان بعض هذه المتاطق لها مساهمة كبيرة في الفلاحة التصديرية، وفي تزويد الأسواق باللحوم والمشتقات الحليبية.
ويبقى الانعكاس الأكبر لهذه الإجراءات في تطوير كفاءة المغرب إزاء مواجهة الكوارث الطبيعية، ذلك ان كل الدراسات المرتبطة بالتقلبات المناحية والتحولات البيئية تشير إلى ان الكوارث الطبيعية لن تعود حالات استثنائية، بل ستصبح معطى بنيويا، مما يعني ان بلادنا مقبلة على تكرار مثل هذه الظواهر.
وإذا كانت العمليات الاستباقية والميدانية فيما يخص الإجلاء والإنقاذ، أبانت عن تطور ملحوظ في التدبير الميداني الناجح أثناء وقوع الكوارث، وأبانت عن حنكة مصالح وزارة الداخلية فيما يخص التخطيط والتعبئة والتنسيق، وعن احترافية القوات المسلحة الملكية فيما يخص قيادة التدخلات وتأمين اللوجستيك وغيرها، وعن فعالية الأجهزة الأمنية والقوات المساعدة والوقاية المدنية في القيام بأدوارها، فإن الإجراءات المعلن عنها فيما يخص التعويضات والإصلاح، ستكون محكا حقيقيا للتقدم على مستوى تدبير أزمنة ما بعد الكارثة. وخصوصا انه قد لوحظ في تجارب سابقة بطؤ في صرف التعويضات، او تنفيذ مشاريع معلنة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مما ترك في حالات كثيرة أسرا تعيش لفترات طويلة في ظروف صعبة معيشيا ومناخيا.
بل في تجارب سابقة لم يتم إعلان مناطق متضررة من الزلزال أو الفيضانات مناطق منكوبة، مما فوت على الساكنة الاستفادة مما يتيحه القانون المتعلق بالمناطق المنكوبة، وهو الأمر الذي جعل أصواتا كثيرة في الفاجعة الحالية تضغط من أجل إعلان مناطق الشمال والغرب مناطق منكوبة، وهو الأمر الذي تفاعلت معه الحكومة إيجابا، استجابة للتعليمات الملكية، وإن كان البعض في بعض الأقاليم يستغرب عدم إضافة مناطق في أقاليم شفشاون وتاونات وتازة وتطوان إلى قائمة المناطق المعلنة منكوبة، وهو الأمر الذي يستدعي من الحكومة عاجلا التوضيح، او الإلحاق، أو إعلان الإجراءات التي ستتخذ في هذه المناطقـ باعتبار ان كذلك تعيش وضعلا مأساويا وصل إلى حدود انهيارات للتربة تسبب في هدم منازل بدواوير.
لهذا، يبقى التركيز على الشفافية في الصرف وسرعة التنفيذ وتعميم الدعم على كل المتضررين، دون تمييز أو تأجيل، وضمان الشفافية في صرفها، ومراقبة تنفيذ المشاريع المرتبطة بإصلاح البنيات التحتية، وإعداد برامج طويلة الأمد للوقاية من الكوارث الطبيعية والتقليل من الخسائر المحتملة، من أكبر التحديات التي يجب أن تواجهها الحكومة في المرحلة القادمة.
لقد أبانت الدولة من خلال عمل وزارة الداخلية، والقوات المسلحة الملكية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، ومصالح الوقاية الميدانية، عن دربة وكفاءة وحس وطني عال، والكرة اليوم في ملعب الحكومة والقطاعات التابعة لها من أجل التنفيذ الفعال لما تم الإعلان عنه من تدابير هامة استجابة للتعليمات الملكية.