في السياسة، لا تقاس التحولات بعدد البلاغات، بل بعمق التحركات في الميدان. ومن هذا المنطلق، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة اختار أن يدشن مرحلة سياسية جديدة، عنوانها النزول المنظم إلى الأرض، وفتح أكثر من 100 نقطة للنقاش والحوار عبر مختلف الأقاليم والجهات، في خطوة تتجاوز بعدها التأطيري إلى رهانات استراتيجية كبرى.
الحزب، الذي رسخ موقعه منذ 2016 كقوة سياسية ثانية بالمغرب، يدرك أن تثبيت المرتبة ليس إنجازا ونهائيا، بل هو وضعية قابلة للتآكل إن لم تدعم بعمل ميداني متواصل ونفس سياسي طويل. لذلك فإن اختيار التواصل المباشر مع الفاعلين السياسيين، ومكونات المجتمع المدني، والمهتمين بالشأن العام والمواطنين، ليس مجرد تمرين في القدرة على التأطير والتكوين، بل إعلان دخول فعلي في سباق الصدارة.
سياسيا، تحمل هذه الدينامية رسائل متعددة. أولها أن الحزب انتقل من مرحلة تثبيت التموقع إلى مرحلة الترافع السياسي المنظم . وثانيها أن معركة المرتبة الأولى لن تحسم فقط داخل المؤسسات، بل في عمق المجتمع، حيث تتشكل الثقة وتتبلور القناعات. وثالثها أن العمل الحزبي لم يعد يختزل في الخطاب المركزي، بل في القدرة على الإنصات وإنتاج بدائل واقعية تنبع من الحاجيات الترابية.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في هذا السياق، تكتسب القيادة الثلاثية التي تنسقها فاطمة الزهراء المنصوري بعدا خاصا. فهي ليست فقط صيغة تنظيمية، بل محاولة لإعادة توزيع القوة داخل الحزب بشكل يضمن التوازن بين الفعالية المؤسساتية والحركية الميدانية والتجديد السياسي. هذا النمط القيادي يسعى إلى تحويل الطموح إلى خطة، والخطة إلى فعل متراكم، والفعل المتراكم إلى تحول انتخابي ملموس.
إن إطلاق برنامج تواصلي مباشر، واسع الانتشار جغرافيا، يعني عملياً أن الحزب يختبر قدرته على تعبئة قواعده، واستقطاب فئات جديدة، وإعادة تعريف علاقته بالنخب المحلية والفاعلين المدنيين. وهو بذلك يبعث برسالة واضحة إلى باقي الفاعلين: المنافسة لم تعد مؤجلة، والرهان على المرتبة الأولى لم يعد خطابا رمزيا بل هدفا معلنا.
غير أن قوة هذه المبادرة لن تقاس فقط بحجم اللقاءات، بل بقدرتها على إنتاج مضمون سياسي متماسك يترجم إلى رؤية بديلة في الاقتصاد والاجتماع والحكامة الترابية. فالناخب المغربي لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن عرض سياسي مقنع، يستند إلى تشخيص دقيق وحلول قابلة للتنزيل.
بهذا المعنى، تشكل هذه الدينامية اختبارا مزدوجا: اختبارا لمدى قدرة الحزب على تحويل موقعه كقوة ثانية إلى قاعدة انطلاق نحو الصدارة، واختبارا لمدى نضج المشهد الحزبي ككل في الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق التنافس البرنامجي.
ويبدو أن الأصالة والمعاصرة اختار أن يستبق الزمن الانتخابي بزمن سياسي كثيف، وأن يحول حضوره العددي إلى مشروع قيادي. والسنوات القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الحركية الميدانية ستنجح في نقل الحزب من مربع المنافسة القوية إلى موقع المتصدر الأول في الخريطة السياسية الوطنية.