سباق المسافات الانتخابية.. هل تتحول لجان الأخلاقيات إلى رهان تنظيمي حاسم؟

بقلم: بديعة الإدريسي الخميس 12 فبراير 2026
IMG-20260125-WA0008
IMG-20260125-WA0008

مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، واحتدام السباق السياسي بين مكونات الأغلبية والمعارضة على حد سواء، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول جاهزية الأحزاب، ليس فقط من حيث البرامج والتحالفات، ولكن أيضا من حيث صلابة بنيتها الداخلية، وقدرتها على تدبير خلافاتها.

ففي لحظات التنافس الانتخابي، تختبر التنظيمات السياسية من الداخل، قبل أن تختبر في صناديق الاقتراع.

في هذا السياق، يبرز الموقع المتقدم الذي بدأت تحتله لجنة الأخلاقيات والتحكيم داخل حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره خيارا تنظيميا يكتسي دلالات تتجاوز الحالات الفردية المعروضة عليه. فالحزب، الذي يوجد في قلب المشهد السياسي الحالي، سواء من موقع التدبير، أو من موقع الانخراط المبكر في دينامية مستقبل الزمن الانتخابي، يبدو واعيا بأن المرحلة لا تحتمل ارتباكا داخليا، أو رسائل ملتبسة للرأي العام، أو أخطاء في تدبير التزكيات الانتخابية، يمكن أن تعيد إنتاج مآزق عانت منها صورة الحزب سلبيا.

ولقد برهن الحزب في الآونة الأخيرة أن لجنة الأخلاقيات ليست مؤسسة للواجهة، موازية لصعود خطابات التخليق، بل إن تواتر إحالة حالات متعددة عليها، يعتبر مؤشرا أنها قد منحت كل ضمانات الاشتغال، وأنيطت بها مهمة الحسم في توترات داخلية قد تنفلت عن نقتضى الأخلاقيات الحزبية، أو ملفات قد تحمل شبهات تورط مسؤولين حزبيين، أو منتخبين باسم الحزب فيما يتعارض وتوجهات الحزب ومبادئه.

وفي حزب مثل الأصالة والمعاصرة، الذي يمتلك قاعدة من المنخرطين كبيرة، قياسا إلى واقع الانتماء الحزبي بالمغرب، كما يضم عددا معتبرا من المنتخبين باسم الحزب في مؤسسات ترابية مختلفة، وفي الغرف المهنية والفلاحية والتجارية والخدماتية، فإن تفعيل جهاز لجنة الأخلاقيات ليمارس اختصاصاته الحصرية في التحكيم والتأديب ليس رهانا سهلا، إذ يفيد أن حسم الخلافات والتوترات، وتصفية الملفات التي قد تثير شبهات، أضحى مؤسساتيا، ولم يعد يدبر عبر تسويات و ترضيات في الكواليس.

لا يمكن أن ننكر أنه رغم استمرار ظاهرة "الأعيان" الانتخابيين كقوة تنظيمية داخل الأحزاب، ولكن كذلك يمكننا تسجيل من خلال مؤشرات كثيرة أن الناخب المغربي بدأ في يهتم بالممارسات الحزبية أثناء الزمن الانتخابي وخارجه، باعتبارها محددا في تصويته لهذا الحزب أم ذاك، لذلك أضحى من المفيد لكل الأحزاب ان تشتغل على ضبط إيقاعاتها التنظيمية الداخلية وفق مقتضيات الكفاءة والنزاهة، وأن تعمل على دمقرطة أجهزتها، وعن حسم خلافاتها وفق أطر قانونية (القوانين الداخلية) ومؤسسات مرجعية (لجان التحكيم والأخلاقيات) .

هنا، تبرز أهمية لجان الأخلاقيات باعتبارها أداة ضبط ذاتي. فهي لا تفعل فقط عند وقوع تجاوزات جسيمة، بل عند بروز أي سلوك يتعلق بتدبير الشأن العام، او حتى عندما يتقاطع الخاص مع المسؤولية العامة مما قد يمس بصورة الحزب أو بانسجام خطه السياسي. وهذا يكتسي أهمية مضاعفة في مرحلة تتكاثر فيها الاصطفافات، وتتسارع فيها الحسابات المرتبطة بالمواعيد الانتخابية القادمة.

مقابل ذلك، تظهر تجارب حزبية أخرى أن تدبير الخلافات الداخلية لا يسير دائما في اتجاه المأسسة. أحيانا تفضل بعض التنظيمات احتواء الإشكالات بالهروب نحو ما تعتبره مجالات للأمان، من مثل الصمت، او التغاضي ، أو تأجيل الحسم فيها إلى ما بعد الاستحقاقات، تفاديا لأي أثر انتخابي محتمل. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو عمليا في المدى القصير، فإنه لا يمنح دائما الصورة نفسها من الصرامة التنظيمية أو الوضوح المؤسساتي، مما يحول المؤتمرات الحزبية إلى فرص لتصفية الحسابات المؤجلة.

في حالة الأصالة والمعاصرة، يبدو أن الرهان هو تقديم نموذج يظهر أن التنافس الخارجي لا يلغي الانضباط الداخلي، بل يستدعيه. فالمرحلة السياسية الحالية، التي تتسم بارتفاع سقف الخطاب وتكثيف الحضور الميداني، تفرض أيضا ضبط الإيقاع التنظيمي، حتى لا تتحول الحيوية السياسية إلى مصدر توتر داخلي.

كما أن تفعيل لجان الأخلاقيات والتحكيم يندرج ضمن محاولة أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الحزب ومنتخبيه. فالانتداب، مهما كان موقعه، لا يعني استقلالاً عن المرجعية التنظيمية، بل يظل مرتبطا بالتزامات سياسية وأخلاقية. وفي هذا المعنى، تتحول لجنة الأخلاقيات إلى صمام أمان يحفظ التوازن بين حرية المبادرة والانضباط الجماعي.

الأكيد أن أي حزب يوجد اليوم في دائرة الضوء، وسواء بحكم موقعه في الحكومة أو بحكم طموحه الانتخابي، سيكون عرضة لمزيد من التدقيق، داخليا وخارجياً. لذلك، فإن الرهان لم يعد فقط على كسب نقاط في الخطاب السياسي، بل على ترسيخ صورة تنظيم منظم، قادر على تصحيح مساره كلما اقتضى الأمر.

في النهاية، قد لا يكون معيار القوة الحزبية في المرحلة الراهنة هو غياب الخلاف، بل القدرة على تدبيره بأدوات مؤسساتية واضحة. وفي ظل السباق السياسي المفتوح، تبدو لجان الأخلاقيات والتحكيم أكثر من مجرد هيئات تنظيمية، إنها تعبير عن تصور معين للعمل الحزبي، يقوم على أن التنافس الخارجي يبدأ من صلابة الداخل، كما أنه آلية استباقية تحصن الحزب من إعادة إنتاج تزكية وجوه انتخابية، قد تسهم في رفع رصيد الحزب من المقاعد، لكنها قد تتسبب لاحقا في توريطه والمس بصورته.