في الحياة الحزبية، لا يقاس نضج التنظيم بعدد الأزمات التي يمر منها، بل بكيفية تدبيره لها. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار لجوء حزب الاصالة والمعاصرة المتكرر إلى لجنة الاخلاقيات والتحكيم ليس دليلا على كثرة الاختلالات، بقدر ما هو مؤشر على وجود الية مؤسساتية فعالة لمعالجة الخلافات وضبط السلوك السياسي داخليا.
العديد من الأحزاب تتوفر على لجان للاخلاقيات، غير أن القليل منها يفعلها بشكل واضح وعلني. في المقابل، اختار حزب الاصالة والمعاصرة أن يرسخ ثقافة المساءلة التنظيمية عبر ميثاق أخلاقيات مؤطر، ولجنة مختصة تنظر في التجاوزات، سواء تعلقت بالانضباط الحزبي أو بتدبير الشأن العام. وهي مقاربة تعكس تحولا من منطق الولاءات الشخصية الى منطق المؤسسات.
فإحالة منتخب او قيادي على لجنة الأخلاقيات ليست حكما مسبقا، بل مسطرة داخلية تضمن حق الاستماع والتقييم، وتبعد القرارات عن الانفعالات أو الحسابات الضيقة. كما ان وجود لجنة نشطة يبعث برسالة واضحة مفادها ان الانتماء الحزبي لا يمنح حصانة اخلاقية أو سياسية، وأن المسؤولية تقترن دوما بالمحاسبة، وهو ما ينسجم مع المطالب المتصاعدة بتخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في الفعل السياسي.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
صحيح أن تعدد الاحالات قد تفهم أحيانا كعلامة توتر داخلي، غير ان القراءة الاعمق تكشف انها دليل حركية تنظيمية وحضور آليات تصحيح ذاتي. فالحزب الذي يعرض خلافاته على مؤسساته هو حزب يراهن على البناء المؤسساتي اكثر من الرهانات الظرفية.
وفي هذا السياق، ينظم المجلس الوطني لحزب الاصالة والمعاصرة، يوم غد الجمعة، ندوة فكرية حول موضوع: “تخليق الحياة السياسية بين المرجعيات الوطنية والتجارب الدولية”، بقصر المؤتمرات الولجة بمدينة سلا.
وستعرف الندوة مشاركة قيادات من الحزب الى جانب خبراء وباحثين، في اطار نقاش مفتوح حول سبل ترسيخ قيم النزاهة والشفافية، واستحضار التجارب المقارنة بما ينسجم مع الخصوصية الوطنية. كما يرتقب ان تشكل مناسبة لتعميق النقاش حول اليات تخليق الحياة العامة داخل الاحزاب والمؤسسات المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في الممارسة اليومية.
وبين التفعيل العملي للجان الاخلاقيات وفتح النقاش العمومي حول تخليق الحياة السياسية، يبدو ان حزب الاصالة والمعاصرة يختار ان يضع سؤال الاخلاق في صلب معركته التنظيمية والسياسية، باعتباره رهانا استراتيجيا لبناء الثقة وترسيخ العمل المؤسساتي.