"سد المفتي"!

أحداث. أنفو الثلاثاء 10 فبراير 2026
cdn4.premiumread
cdn4.premiumread

كاتب هذه الأسطر من قراء المجلة الإماراتية "ماجد" ذات صغر ولى ومضى، ولن يعود أبدا، ومن عشاق كل شخصياتها العجيبة، من بطلها ماجد حتى موزة مرورا بالعقيد خلفان والمساعد فهمان وشخصية كسلان جدا الرائعة. 

وحدها شخصية فضولي كان لي معها مشكل حقيقي، وهو مشكل امتد من العمر الأول، حتى هذا الذي نحياه، وسيمتد على ما يبدو لما شاء الله من بقية في العمر. 

أكره الفضول والفضوليين، وهذه الأيام أصبحت كارها حقيقيا للمتخصصين الجدد في السد وكل عوالمه.

ولا أتحدث هنا عن السد القطري (رعى الله دوحة الخير وكل المنتسبين إليها ظاهرين علنيين وغير ذلك) الفريق الذي يشتري اللاعبين عندما يشيخوا، ولكن أتحدث عن السد الحقيقي، من "الوحدة" إلى "وادي المخازن"، إلى بقية البقية. 

ومع علمي ويقيني أن سنوات الانحطاط المعرفي جعلتنا جميعا نتحرأ على كل المواضيع، التي قد نفهم فيها، والأخرى التي قد لا نفقه عنها الذي بعث، إلا أنني كنت قد وضعت لسقف تشاؤمي حدودا قلت إنه لن يتجاوزها في مواضيع معينة، لديها طابع تقني جد دقيق. 

لكن ومع وقاحة مواقع التواصل وصفاقتها، يبدو أننا مضطرون لمزيد من التوسعة في مجال التشاؤم هذا، لأن قوم الفضول المرضي غير مستعدين للتوقف عند أي حاجز كيفما كان نوعه.

ذلك أنهم وبعد أن شرحوا لنا ذات يوم، عن طريق صيدلاني أجزل الله الجزاء كله، كيفية تخصيب اليورانيوم، وصنع القنبلة النووية (فقط لا غير)، ها هم اليوم يتبارون في تلقين الدولة المغربية، بجيش خبرائها ومهندسيها وتقنييها ومتخصصيها، الدروس تلو الدروس في كيفية التحكم في الصبيب. 

وها هم، رعاك الله، يتبارون كل من موقعه في استعراض عضلاتهم التقنية علينا، نحن معشر الأميين والأميات، في علوم السدود، وكيفية تصريف المياه الإضافية، ومتى يجب أن تطلق الطلقة المائية في وقتها السليم لكي تصيب الطريدة، وتعود من قرب السد، محملا بالوحيش، أرنبا وحجلا وخنزيرا مما يسميه المغاربة في دارجهم البليغ "الحلوف". 

وعلى ذكر هذا الأخير، أي "الحلوف"، أعز الله قدركم جميعا، وجب القول حقا أننا يجب أن نعلن افتتاح موسم صيده، لأن تكاثره بهذا الشكل المقلق أمر غير مطمئن البتة، ومن شأن الصمت عنه والسكوت على مضاره إهلاك المزيد من الحرث والنسل في عقول الناس. 

ما سبب هذه الجرأة؟ وما السر وراء هذا التطاول؟ وكيف وصلنا إلى هذا المستوى الذي يمكنك أن تتحدث فيه يوميا عن آلاف المواضيع التي تتطلب تخصصا دقيقا، دون أن يتوفر فيك أي شرط من شروط الحديث هذه؟ 

الجواب الحقيقي عن السؤال علمه عند ربي، لكن يستطيع المرء أن يجازف مع المجازفين، وأن يدلي هو الآخر بدلوه في هذا البئر غير العميق كثيرا، وأن يرد: السبب هو انعدام الحياء، وليس قلته. 

نعم، انعدمت هذه الخصلة التي كانت تمنع الناس من التجرؤ الوقح على من يفوقونهم علما ومعرفة وتخصصا، وكانت تفرض الصمت الهادئ الحكيم حين عدم العلم، وأتى زمن الرويبضة الشهير. 

الكل يتحدث عن كل شيء، ولا أحد يسمع. 

مرعب، وخطير، لكن "هاد الشي اللي عطا الله والسوق"، في انتظار أيام أخرى أفضل، والسلام.