عزيز أخنوش.. حين اختار أن يترجّل باحترام

الوجه الأخلاقي للديمقراطية.. من ولايتين قانونيتين إلى درس أخلاقي في العمل الحزبي
بقلم: سعيد آيت باجا الأربعاء 04 فبراير 2026
Capture d’écran 2026-02-04 à 10.28.39
Capture d’écran 2026-02-04 à 10.28.39

ليس سهلًا على السياسة أن تكون إنسانية، ولا على القرار أن يحمل في طياته مشاعر صادقة دون أن يفقد صلابته. فقرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار جاء ليكسر هذه القاعدة، ويمنح الفعل السياسي بُعدًا إنسانيًا نادرًا، حيث التزم الرجل بالقانون، واحترم منطق التداول، وهو يدرك في قرارة نفسه حجم الفراغ السياسي الذي سيتركه.

لقد استمر عزيز أخنوش رئيسًا للحزب لولايتين كاملتين، كما تنص على ذلك قوانين الحزب ، دون زيادة أو تأويل أو التفاف، واحترام هذا السقف لم يكن مجرد امتثال لنص تنظيمي، بل كان تعبيرًا عن قناعة عميقة بأن القيادة ليست امتيازًا دائمًا، وأن الديمقراطية لا تكتمل إلا حين تُمارَس في لحظات القوة، لا في لحظات الضعف.

في تجارب حزبية كثيرة، يكون هذا القرار هروبًا أو نتيجة ضغط أو فشل. أما مع هذه التجربة، فقد جاء التنحي فعلَ وفاء لمسار، ووفاءً لقانون، ووفاءً لقيم ظل الرجل يدافع عنها طيلة مسيرته. لم ينتظر عزيز أخنوش لحظة تراجع أو إنهاك سياسي، بل اختار المغادرة وهو ما يزال في موقع التأثير، وهو أصعب أنواع القرارات على المستوى الإنساني.

فالسياسة مهما بدت باردة، تخلق علاقات، وتبني ثقة، وتنسج رابطًا عاطفيًا بين القائد وقواعده، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يُقابل القرار بشعور واسع من الحسرة داخل الحزب، حسرة لم تكن رفضًا للديمقراطية، بل تعبيرًا عن تعلق إنساني برجل رافق مرحلة صعبة، وتحمل كلفة قراراتها.

فما يميّز عزيز أخنوش، في نظر كثير من مناضلي الحزب، ليس فقط قدرته على اتخاذ القرار، بل قدرته على الإصغاء، الإصغاء بهدوء، دون استعلاء، ودون ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، كان حاضرًا حين يتطلب الأمر الحسم، ومتراجعًا خطوة حين يقتضي النقاش ذلك.

هذا البعد الإنساني هو ما جعل العلاقة بينه وبين قواعد الحزب علاقة تتجاوز التنظيم، إلى نوع من الثقة الشخصية، ولذلك، لم يكن التنحي مجرد خبر سياسي، بل لحظة وجدانية، شعر فيها كثيرون بأن جزءًا من الذاكرة الحزبية يغادر الموقع، وإن بقي الأثر.

لقد كان بإمكان عزيز أخنوش أن يجد لنفسه مبررات كثيرة للاستمرار: المرحلة، الاستقرار، التجربة، الظرفية، لكنه اختار طريقًا أصعب، طريق احترام القانون دون استثناء، ليجعل من نفسه نموذجًا حيًا لما يجب أن يكون عليه العمل الحزبي.

الحسرة التي عبّر عنها مناضلو الحزب والتنظيمات الموازية لم تكن حسرة اعتراض، بل حسرة وداع، وداع رجل ارتبط اسمه بمرحلة من البناء والتراكم، وبأسلوب هادئ أعاد للسياسة شيئًا من ألقها ووقارها. وهي حسرة فيها نوع من الامتنان.

غير أن اللافت، أن هذه الحسرة لم تتحول إلى انقسام أو تشكيك، بل ظلّت محكومة بمنطق الاحترام، احترام قرار ديمقراطي، واحترام رجل اختار أن يغادر دون أن يترك وراءه فراغًا أخلاقيًا.

بهذا المعنى، لا يغادر عزيز أخنوش رئاسة الحزب كاسم أو منصب، بل كـ تجربة إنسانية سياسية، تجربة تقول إن السلطة يمكن أن تُمارَس دون تعالٍ، وإن القيادة يمكن أن تُغادر دون صراع، وإن الديمقراطية يمكن أن تكون ممارسة هادئة لا تحتاج إلى ضجيج.

لقد أعطى الرجل للحزب ما استطاع، في حدود القانون، وفي إطار المسؤولية، واختار أن ينسحب حين انتهت ولايتاه، تاركًا خلفه سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا موجّهًا إلى المشهد الحزبي  المغربي برمّته:

هل الأحزاب السياسية الأخرى مستعدة فعلاً لاحترام روح القانون كما فعل عزيز أخنوش؟، هل لديها الشجاعة لتنحي زعماؤها بعد ولايتين، دون استثناء أو تلاعب؟، أم ستظل الممارسة السياسية محكومة بالمصالح الشخصية والتشبث بالسلطة؟، هل لدى هذه الأحزاب خطة واضحة لضمان تداول ديمقراطي للسلطة؟، الوقت حان لتساؤل كل مواطن عن جدية وصدق هذه الأحزاب في تطبيق القانون وليس مجرد شعارات.

ان من المهم التأكيد على أن عزيز أخنوش لم يغادر الحزب، ولم ينقطع عن مشروعه، بل سيظل مناضلًا داخله، مدافعًا عن قيمه الديمقراطية، ومنخرطًا في مساره التنموي. فالقيادة هنا لم تُفهم بوصفها منصبًا دائمًا، بل وظيفة مؤقتة داخل مسار جماعي أطول. وهذا في حد ذاته درس نادر في العمل الحزبي، حيث غالبًا ما يُربط الحضور السياسي بالموقع لا بالموقف

في النهاية، لا يُقاس الرجال فقط بما حققوه وهم في مواقعهم، بل أيضًا بالطريقة التي يغادرون بها تلك المواقع. وعزيز أخنوش، باحترامه الصارم لسقف ولايتين قانونيتين، وباختياره التنحي في لحظة قوة، قدّم درسًا نادرًا في الديمقراطية، ودرسًا أندر في الإنسانية السياسية.

هي لحظة تختلط فيها الحسرة بالامتنان، والعاطفة بالمسؤولية، وتبقى فيها الحقيقة واحدة: أن الرجل، وهو يترجّل، لم يأخذ معه المنصب… بل ترك خلفه قيمه، لتبقى مثالًا يُحتذى به لكل من يحب وطنه قبل كل شيء.