في عز الحزن على فقد جلل، في رجل ملأ دنيا المغرب حبا لسنوات، ظهرت أصوات نشاز من أصحاب اللحي الكاذبة، يريدون خوصصة جنازة فقيدنا، بل وحبيب المغاربة عبد الهادي بلخياط. لهؤلاء نقول إن عبد الهادي بلخياط فنان الشعب غير قابل للخوصصة فهو ملك لكل المغاربة وفقده فقد لكل المغاربة واتركونا بسلام...
عبد الهادي بلخياط الذي ودعنا جسده، سيبقى في ذاكرة وتاريخ المغرب كتراث لا مادي، وكعطاء يجود به الزمن في فلتات.
عبد الهادي بلخياط يعتبر أحد أعمدة الفن والموسيقى والغناء، وهو بذلك ركن ثقافي في شمال إفريقيا، حيث صوته ينطلق مجلجلا من هذا الربع ليقول للناس في كل المعمور: أنا ابن المغرب وعطائه ومن رموزه الثقافية.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
من مدينة فاس، أرض الثقافة والعلوم، انطلق عبد الهادي بلخياط ليشق طريقه في الحياة بكل إصرار وبصبر وتأني.
ولد فقيدنا في سنة 1940 وحمل اسم عبد الهادي الزكاري الإدريسي. هذا الاسم سوف يتحول إلى عبد الهادي بلخياط وصاحبه يلج عالم الموسيقى.
تلقى عبد الهادي بلخياط تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه، ولم يتمكن من متابعة دراسته، حيث أرغمته الظروف على ولوج عالم الشغل والعمل، فالتحق بورشة والده في النجارة مساعدا. وفي بداية الخمسينيات سينتقل عبد الهادي بلخياط إلى مدينة الدار البيضاء، بعدما كسدت الحياة الاقتصادية نتيجة مخلفات الحرب العالمية الثانية. لم يمكث عبد الهادي طويلا بالبيضاء فعاد ثانية إلى فاس. وبعد فترة تمكن من الحصول على وظيفة في وزارة الشبيبة والرياضة فاستقر بالرباط حيث مقر الوزارة...
عبد الهادي بلخياط لم يكن يبحث فقط عن مصدر رزق، بل كان يحمل في داخله بذرة الفن والموسيقى. وفي الرباط سيجد طريقه نحو دار الإذاعة حيث عالم الغناء. وهناك سوف تكون البداية.
بعد بحث واحتكاك مع رجالات الفن والغناء، استطاع بلخياط أن يلفت انتباه القائمين على قسم الغناء في الإذاعة. وستكون البداية مع أغنية وطنية تحمل عنوان نشيد العرش، قدمها له الراحل عبد النبي الجيراري. من هنا بدأت الحكاية، ومن هنا انطلق الصوت القوي الذي سيصبح عنوانا للغناء العصري في المغرب. وفي غمرة الإبداع الفني والغنائي في المغرب في المرحلة الغنائية، حضر عبد الهادي بلخياط ليغني في أغراض اجتماعية وعاطفية ودينية ووطنية، فكان صدقه في الأداء «درون» ولوج قلوب المغاربة والمغاربيين ثم العرب بعد ذلك.
صوت عبد الهادي بلخياط سوف يصبح وعاء لثمرات إبداع أهل المغنى من شعراء وملحنين، فغنى لكل الأطياف من عبد النبي الجيراري إلى محمد بن عبد السلام وعبد القادر الراشدي وعبد الرحيم السقاط وعبد الرفيق الشنقيطي وأحمد العلوي وعبد العاطي أمنا وعبد القادر وهبي وعبد السلام عامر. كما غنى أشعار علي الحداني وفتح الله لمغاري وحسن المفتي وأحمد الطيب لعلج، وطبعا أبدع في قمر عبد الرفيع جواهري وأشواقه وميعاده وغيرها...
على مدى سنين كان عبد الهادي بلخياط رمزا من رموز المغرب. ورمزيته ستبقى في الذاكرة وسيذكره التاريخ فنانا كبيرا قدم الفرحة والمتعة للملايين. وما لا يعرفه الكثير هو ذلك الجانب الإنساني العفوي في الرجل. فكان طيبا في تعامله ومحبا لوطنه.
رحم الله فقيد المغاربة وفنانهم. فنم في سلام السي عبد الهادي فأنت في قلوبنا بصدق المحبة.