يعد موضوع صناعة القرار السياسي من اكثر المفاهيم التصاقا بالسياقات التاريخية والثقافية والمؤسساتية للمجتمعات؛ اذ لا يمكن التعامل معه باعتباره آلية تقنية محايدة او نموذج جاهز صالح للاستنساخ. فهو حصيلة تفاعل معقد بين منظومات قانونية وتقاليد سياسية وبنيات اجتماعية وتمثلات ثقافية تختلف حدتها وحدودها من مجتمع الى اخر. وبالمثل، لا يمكن النظر الى الحركة النسائية باعتبارها كيان متجانس او خطاب واحد، بل هي تعبيرات متعددة ومتباينة في النشأة والمسار والمرجعيات، تتشكل بفعل تطور المطالب الحقوقية من جهة، والتحولات الاجتماعية والسياسية من جهة ثانية.
في السياق المغربي، تشكل الحركة النسائية إحدى الفاعلات المركزية في مساءلة بنية المشاركة السياسية، وفي الدفع نحو اعادة توزيع السلطة الرمزية والمؤسساتية داخل المجتمع. فقد تداخل في نشأتها البعد الحزبي والبعد الحقوقي، وتقاطعت مطالبها مع رهانات الانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحقوق، ما جعلها فاعل حاسم في فتح النقاش العمومي حول موقع النساء في المجال السياسي وحدود مشاركتهن في مراكز صنع القرار.
صحيح ان الحركة النسائية المغربية لها جذور سياسية اذ ارتبطت بالبدايات التنظيمية للاحزاب، لكنها في الوقت نفسه حركة حقوقية تتطلع الى مجتمع قائم على المساواة الكاملة. وقد نجحت هذه الحركة في بناء مبادرات مشتركة بين مختلف التعبيرات النسائية، بما فيها الحركات النسائية التقدمية والليبرالية، وحتى في بعض الحالات مع النساء ذوات التعبير المحافظ، مما اظهر قدرة النساء على تجاوز الانتماءات الضيقة من اجل قضايا مشتركة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
من المهم التنبيه اننا لا نواجه في المغرب فقط تحديات سياسية، بل ثقافية واجتماعية ايضا. فالنساء واجهن تاريخيا اقصاء ممنهج على مستويات متعددة: سياسية، وتعليمية، واقتصادية، واجتماعية، في مجتمع ما زال يبحث عن توازن بين الموروث الثقافي والتطلعات الحداثية. ومع ذلك، فقد قطعت النساء اشواطا مهمة في تحرير الفعل النسائي، بدءا من ارتفاع نسبة النساء اللائي يدبرن شؤون اسرهن او يساهمن في الموارد الاقتصادية والثقافية، وصولا الى تصاعد نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا في مختلف المجالات، سواء داخل المغرب او في صفوف مغاربة العالم.
هذه التراكمات الإيجابية تفرض الاعتراف بالدور الذي تلعبه النساء، سواء من منظور ثقافي كما حدده اكسيل هونيت، او من منظور قانوني وبيداغوجي باعتبار ان القانون يعكس تطلعات المجتمع ويؤطرها. ومع ذلك، فان مساهمة النساء في صنع القرار السياسي لا تزال متخلفة مقارنة بحضورهن في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مما يبرز فجوة بين الاداء والمشاركة في الفعل المجتمعي، وبين التمثيلية السياسية الرسمية.
لقد اعتبرت الحركة النسائية المغربية التمكين السياسي للنساء مدخلا اساسيا للوصول الى مجتمع منصف ومتساو، اذ ان الرجال، مهما كانت وعيهم الحداثي، لا يمكنهم ترجمة المطالب النسائية الى قرارات سياسية بالنيابة عنهن. التاريخ والفكر والفلسفة والقانون شكلوا بيئات رجالية، حيث صاغت القوانين والمعايير الاجتماعية وفق رؤى ومصالح الرجال، مما اوجد مقاومة مزدوجة من المجتمع التقليدي ومن السلطة نفسها التي كثيرا ما اعتبرت حضور النساء في مواقع القرار ضغطا خارجيا على الهوية والاعراف المحلية.
لا يمكن اغفال الدور الذي لعبته الاحزاب التقدمية واليسارية في دعم التمكين السياسي للنساء ولا الدفعة التي حصلت عليها الحركة النسائية في التسعينيات مع صعود الخطاب الحقوقي على المستوى الدولي، كما كان للدعم الملكي خصوصا في عهد الملك محمد السادس اثر كبير بدءا من مدونة الاسرة التي شكلت ثورة ثقافية بحد ذاتها وصولا الى تعزيز السياسات المؤطرة للانتقال الديمقراطي.
هذا السياق مكن الحركة النسائية من الضغط لتحقيق آلية الكوطا ومن تضمين مكتسبات دستورية خلال تعديل الدستور سنة 2011، حيث جاء التعبير عن المناصفة صريحا وواضحا. لقد رحبت الحركة بالكوطا كوسيلة لتحقيق هدف أكبر وهو الوصول الى المناصفة وليس كغاية في حد ذاتها. فالكوطا ساعدت على تعديل التصورات النمطية للمجتمع حول مشاركة النساء في صنع القرار رغم بعض الاختلالات التي ظهرت في تطبيقها على مستوى بعض الاحزاب.
رغم هذه العقبات، تمكنت الكوطا من اظهار كفاءات نسائية في مجالات التسيير والترافع والتدبير، ما ساهم في رفع تمثيلية النساء حتى في اللوائح المختلطة خارج آلية الكوطا. ومع ذلك، تبقى مقاومة تحقيق المناصفة واضحة، بما فيها داخل الاحزاب نفسها، ما يحتم على الحركة النسائية الاستمرار في الضغط وخلق آليات تشبيك فعالة بين مختلف التعبيرات النسائية.
اليوم، يمكن القول ان موقع الحركة النسائية افضل من السابق، وهو ما يتجلى في عدة مؤشرات: ارتفاع نسبة حضور النساء في الهيآت الاستشارية والتشريعية والتنفيذية والترابية، اعتراف دستوري بضرورة الارتقاء بالمشاركة السياسية للنساء وجعل المناصفة غاية وحق دستوري، وتطور الوعي المجتمعي نحو القبول بمشاركة النساء في صنع القرار السياسي.
مع ذلك، يلاحظ تراجع في آليات التشبيك بين مختلف الفاعلات النسائيات مقارنة بفترات سابقة، حيث كانت الحركة النسائية اكثر قدرة على التنسيق والتوافق حول الملفات المشتركة. لذلك، اصبح من المستعجل العمل على خلق فضاءات للحوار النسائي بغية التوافق على مطالب واضحة في ملف المناصفة والتمهيد الجاد للمشاركة الفعلية للنساء في الانتخابات التشريعية المقبلة، بما يضمن ان يكون التمكين السياسي للنساء خطوة نحو مجتمع اكثر عدلا ومساواة.