يا ذاك الإنسان.. على زين فيك

بقلم: لحسن العسيبي السبت 31 يناير 2026
PHOTO-2026-01-31-10-47-42
PHOTO-2026-01-31-10-47-42

كان الملك الراحل الحسن الثاني يحيي حفلا خاصا على عادته دوما في قصر الصخيرات جنوب الرباط، كان من بين ضيوفه الأمير عبد الله بن عبد العزيز (الذي أصبح ملكا بالسعودية في ما بعد)، وهو الحفل الذي كان من بين الفنانين العرب الحاضرين فيه الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب والفنانة السورية فايزة أحمد.. 

طلب العاهل المغربي من الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط أن يغني أغنية "ست الحبايب" (الأغنية الشهيرة الممجدة للأم التي أدتها فايزة ولحنها عبد الوهاب)، فتسلطن بلخياط في أدائها وأبدع وأجاد، مما كان يجعل الموسيقار المصري يقول أكثر من مرة للفنانة السورية فايزة أحمد: أرأيت الأداء يا فايزة، أرأيت أين يصل بطبقات صوته.. ففرح العاهل المغربي الملك الحسن الثاني أمام ضيوفه لأن ابنا للمغرب يبدع أفضل من الأصل..

تقدم عبد الوهاب من الملك المغربي رفقة بلخياط وطلب منه الإذن بالسماح بانتقال بلخياط إلى مصر (هو الذي سبق واستقر بعاصمتها القاهرة فترة قصيرة في نهاية الستينات) كي يبدعا أعمالا مشتركة.. وافق العاهل المغربي مجاملة لموسيقار العرب.. لكن بعد أقل من ساعة، في غفلة من الجميع أرسل من يحضر إلى جواره عبد الهادي بلخياط. حين جاء إليه، همس في أذنه قائلا:

"إذا وصلني أنك رحت معه إلى القاهرة، سأنزلك إلى الغباق.. هناك عبد الوهاب في مصر وهناك بلخياط في المغرب"..

هذه شهادة ملك في فنان..

هذا الفنان هو واحد من هرمين لفن الغناء المغربي الذي يوسم ب "العصري"، إلى جانب عبد الوهاب الدكالي.. 

عبد الهادي بلخياط، الرجل الفاضل، رب أسرة محترمة، الصوفي روحا ومبنى، الصادر إلى الحياة بشبع في النفس والروح، هو صانع كريات الفرح والاعتزاز بمغربيتنا في دمنا الجماعي، دم الحضارة الذي يجري مجرى السمو في هويتنا المغربية..

هل هو يسير استعراض كل ريبرتواره الغنائي؟.. أبدا..  لأنه سيكون من التجني ظلم هذه الأغنية أو تلك.. من "قطار الحياة" إلى "كانت ظروف" مرورا ب "الصنارة" و "ياذاك الإنسان" و "يا قاطعين الجبال" وغيرها كثير..

نعم غادرنا عبد الهادي بلخياط إلى حيث سيغادر الجميع، حيث فتح باب الأرض وغاص في الأبد، لكنه باق في كل واحد منا عنوان محبة وفخر واعتزاز.. 

كنت مرة في الجزائر العاصمة في بداية التسعينات، أعبر في منحنى بحي القبة الشعبي صعودا إلى ممر راجلين يفضي إلى شارع محمد الخامس، فجاءني من محل بيع أشرطة غنائية صوت عال لأغنية "يا بنت الناس"، ولجت لا إراديا إلى ذلك المحل حيث استقبلني رجل أشيب.. حين علم أنني من بلاده، من المغرب.. قال لي: "هذا الرجل راه داير حالة عندنا هنا.. حنا نعتابروه ديالنا أيضا.. راه تانبيع الآلاف من أشرطته الغنائية.. راه يشرفكم ويشرفنا"..

بلخياط ليس لنا وحدنا، 

بلخياط لكل محبي الجمال والقيم النبيلة والإبداع الرنان في كل بلاد العرب..

نم قرير العين فنانا الهرم، فقد كنت رجلا..