يفتتح الفنان الكبير أيوب العياسي تجربته المسرحية الجديدة بإخراج النسخة الثالثة من مسرحية «حديث الشتا»، مؤكّدًا مرة أخرى حضوره كاسم وازن في المشهد الثقافي المغربي، حيث يلتقي في مساره الإبداعي المسرح بالسينما، والكتابة الصحافية بالأدب، في توليفة فكرية وجمالية قلّ نظيرها.
مسرحية «حديث الشتا»، عملٌ إبداعي واعد، يندرج ضمن شراكة فنية مع مسرح محمد الخامس، وتحمله إلى الخشبة فرقة أرلوكان استوديو بروح بحثية وتراكم فني ممتد منذ سنة 2015.
وسيكون جمهور الدار البيضاء على موعد مع هذا العرض يوم الجمعة 30 يناير 2026 على الساعة السابعة والنصف مساءً بـ مسرح عبد الصمد الكنفاوي، قبل أن ينتقل العمل إلى مكناسة الزيتون، حيث يُقدَّم يوم السبت 31 يناير 2026 بالمركز الثقافي الفقيه المنوني في التوقيت نفسه.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
مسرحية «حديث الشتا» اقتباس حر عن الكاتب الأمريكي تينيسي وليامز، غير أنها لا تقف عند حدود النص الأصلي، بل تعيد مساءلته عبر دراماتورجيا تنحاز إلى العمق الإنساني، وتستثمر الصمت والتوتر والفراغ بوصفها عناصر دلالية فاعلة. هنا، تتجلى رؤية إخراجية ناضجة، تتعامل مع الخشبة كمساحة تفكير قبل أن تكون فضاء عرض، وتمنح للزمن المسرحي حقه في التشكّل والتكثيف.
ويبرز في هذا السياق الحسّ الإخراجي لأيوب العياسي، الذي راكم تجربة سينمائية ومسرحية جعلت من الصورة والايقاع والاقتصاد التعبيري أدواته المفضلة، في إخراج لا يلهث وراء الإبهار السريع، بل يراهن على بناء المعنى، وعلى توجيه الممثل نحو الصدق الداخلي، في انسجام واضح بين الفكرة والشكل، وبين النص والجسد.
كما تحضر خلفية العياسي ككاتب صحافي وأديب في تفاصيل العرض، من خلال وعي لغوي دقيق، ونَفَس سردي خفي، يجعل الحوار محمّلاً بالطبقات والدلالات، ويحوّل المشهد المسرحي إلى نص مفتوح على التأويل. كتابة لا تُقال فقط، بل تُلمَح وتُحَسّ، وتجد امتدادها الطبيعي في اشتغال ركحي متزن.
ويؤدي أدوار المسرحية كل من الممثل مصطفى صبحي بحضوره الرصين وتجربته المتراكمة، والممثلة زينب زعبول بطاقة أدائية شابة ومتحكّم فيها، ضمن ثنائية تمثيلية تقوم على التوتر الداخلي والإنصات المتبادل. ويساهم في إنجاح هذا العمل فريق فني متكامل، تقوده لبنى العياسي في الإدارة الفنية، ورشيد طه ياسين في الإدارة التقنية، بمساندة هشام شريفي علوي كمساعد مخرج، ويونس رفيق في المحافظة، وسارة لمبطن في الإدارة والتنظيم.
بهذا العرض، يواصل أيوب العياسي مساره كفاعل ثقافي شامل، يرى في المسرح فعل مقاومة جمالية، وفي الخشبة فضاءً لتكوين الذائقة وبناء المواطن. فـ«حديث الشتا» ليست مجرد عودة إلى العرض، بل تجديد للعهد مع جمهور متنوع، من الشباب والشيوخ والمهتمين، ودعوة صريحة للذهاب إلى المسرح، والإنصات للفن، والنقاش حوله، باعتباره ضرورة ثقافية وحاجة إنسانية لا غنى عنها.