لم تكن ليلة الأربعاء/الخميس عادية في مدينة القصر الكبير.. مدينة بأكملها سهرت على وقع هدير المياه، وقلوب ساكنتها معلقة بارتفاع منسوب وادي اللوكوس، في واحدة من أعنف موجات الفيضانات التي عرفتها المنطقة منذ سنوات.
ليلة "بيضاء" بامتياز، لم يذق خلالها الآلاف من السكان طعم النوم، بعدما تحولت الشوارع والأزقة إلى مجار مائية، ووجدت عشرات الأسر نفسها وجها لوجه أمام خطر داهم فرض الإخلاء والفرار نحو الأماكن التي يفترض أنها آمنة.
مع الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس 29 يناير الجاري، بدأت الصورة تتضح أكثر: مياه اللوكوس فاضت عن مجراها الطبيعي، وامتدت إلى الأحياء المنخفضة، خاصة كما ذكر العديد من المواطنين، وهي أحياء: سيدي رضوان، المناكيب، المدينة العتيقة، وأحياء الأندلس، المرينة، السلام والمسيرة.
فحسب شهود عيان فإن بعض المناطق، تجاوز فيها منسوب المياه مترا كاملا داخل المنازل، ما اضطر سكانها إلى مغادرتها على عجل، حاملين ما تيسر من الأمتعة، وسط صراخ الأطفال وذهول الكبار.
أخطر تطورات الوضع تمثلت في غمر مياه الفيضانات لمحيط «مستشفى القرب» بالمدخل الشمالي للمدينة. المياه داهمت الممرات والقاعات، لتشل خدمات هذه المؤسسة الصحية بشكل كامل. ذلك أن قرار الإخلاء كان حتميا، حيث جرى نقل المرضى وتعليق الخدمات مؤقتا، في مشهد يعكس حجم الخطر الذي هدد بعض المرافق الحيوية بمدينة القصر الكبير.
ولم تجد التدخلات التي باشرتها فرق التدخل، نفعا، بعد أن عملت على شفط المياه وحماية التجهيزات الطبية، وسط مخاوف حقيقية من تضرر البنية التحتية لمستشفى حديث العهد، وجد نفسه فجأة في قلب العاصفة.. ذلك أن قوة المياه فاقت جميع التوقعات.
واعتبر عدد ومن صرحوا للجريدة عقب هذه الفيضانات، أن السبب الرئيسي لما تعيشه القصر الكبير يعود إلى الوضعية الحرجة لسد وادي المخازن، الذي بلغت نسبة ملئه 100 في المائة بفعل التساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفها إقليم العرائش، حيث فاق المعدل التراكمي للأمطار 600 ملم منذ شتنبر الماضي. وفرض هذا الوضع، حسب مصادر مطلعة، على وكالة الحوض المائي التعجيل بفتح بوابات التفريغ، ما أدى إلى ارتفاع صبيب وادي اللوكوس إلى مستويات تجاوزت قدرته الاستيعابية.
ومع هيجان البحر وارتفاع منسوب المد، بعد أن تجاوز علو الأمواج سنة أمتار، أصبحت كميات المياه المفرغة من السد تضغط بقوة على القنوات، لتعود نحو المدينة وتغمر أحياءها المنخفضة.
أمام هذا الوضع، أعلنت السلطات الإقليمية رفع درجة التأهب القصوى، حيث حلت لجنة اليقظة والتتبع، برئاسة عامل إقليم العرائش، بالقصر الكبير لتتبع الوضع ميدانيا.وقد عملت اللجنة، حسب ما تم تناقله من معطيات، على القيام بجولات تفقدية، والعمل على تعزيز الحواجز الترابية، وإصدار أوامر من أجل نصب حواجز رملية، مع دعوة الساكنة إلى توخي الحذر وعدم المجازفة، والابتهاج عن مجاري المياه.
المدير الإقليمي للتجهيز والماء في تصريح صحافي أوضح أن أشغال إنجاز حواجز وقائية مؤقتة متواصلة لحماية الأحياء المهددة، في محاولة لاحتواء زحف المياه وصون الأرواح والممتلكات.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، وصف الوضع في تصريح مصور بـ"الجد صعب"، محذرا من استمرار ارتفاع منسوب المياه خلال الساعات المقبلة. وأكد أن تدخل القوات العمومية لإجلاء السكان من المناطق المتضررة بات خيارا مطروحا بقوة، مشيرا إلى أن حوالي 6000 أسرة معنية بشكل مباشر بإجراءات الإخلاء.
وفي حال تفاقم الوضع، تم وضع عدد من الفضاءات العمومية رهن إشارة السلطات ، من بينها القاعة المغطاة، المدارس، دار الخيرية، بغاية إيواء المتضررين، في وقت تبقى فيه المدينة العتيقة بالقصر الكبير نقطة سوداء بسبب هشاشتها العمرانية.
طرق مقطوعة وعزلة قروية
الفيضانات لم تقتصر على أن تعم وتغلق شوارع مدينة القصر الكبير وأزقتها وتامر أحياءها فقط، بل تسببت أيضا في انقطاع حركة المرور على المحور الطرقي الرابط بين القصر الكبير والعرائش، بعد تجاوز المياه للقناطر والمنشآت الفنية.
وبسبب هذه الأوضاع دعت السلطات مستعملي الطريق إلى الالتزام بالتعليمات وتجنب المغامرة.
كما عزلت عدد من الجماعات القروية المجاورة، مثل: قصر بجير وأولاد أوشيح والسواكن، بعدما غمرت السيول الطرق والمسالك، غير أن الوضع داخل مدينة القصر الكبير ظل الأخطر والأكثر تعقيدا.
ومع هذه الفيضانات الحاسمة يظل الخوف في مدينة القصر الكبير يسكن الوجوه، والترقب يطغى على كل شيء. فالسكان يتابعون مستوى المياه ساعة بساعة، والسلطات تواصل جهودها في سباق مع الزمن، على أمل أن تنحسر الأمطار وتخف قبضة اللوكوس. إلى ذلك الحين، تبقى المدينة عائمة في المياه، في انتظار “فرج” ينتظره السكان بعد ليال عصيبة عاشوا أطوارها وسط الفزع.