أحمد الدافري يكتب: بين السقوط في فخ إعلام الأعداء والتحلي بالمسؤولية الوطنية القائمة على النقد البناء

إن معركة الوعي التي نخوضها اليوم تتطلب منا جميعا الالتفاف حول كل ما هو وطني، ودعم المنابر الإعلامية التي تدافع عن ثوابت المملكة باحترام ومهنية.
بقلم : أحمد الدافري الاثنين 26 يناير 2026
620497267_1463644355346435_5046622064229360029_n
620497267_1463644355346435_5046622064229360029_n

يعيش المواطن المغربي اليوم في قلب حرب شرسة، تتجاوز الحدود التقليدية، لتستهدف وجدانه وثقته في مؤسساته، حيث تسعى شبكات التضليل والبروباغندا المعادية إلى اختراق الوعي الجماعي عبر بث مشاعر الدونية والتشكيك في قدراتنا الوطنية.

ومن المؤسف أن نرى بعض المواطنين يقعون في فخ هذه الآلة الإعلامية الممنهجة، ويوجهون سهام انتقاداتهم للإعلام المغربي الرسمي بدعوى الضعف، وكأن القوة في نظرهم تقتصر على تبني أسلوب السب والقذف الذي ينهجه الإعلام الرسمي لبعض الجيران.

إن المطالبة بتحويل إعلامنا إلى بوق للردح اليومي هو في الحقيقة دعوة للتخلي عن الرصانة السيادية والنزول إلى مستوى أخلاقي لا يليق بعراقة المملكة المغربية ولا برؤيتها الاستراتيجية التي تخاطب العالم بلغة الحقائق والمنطق.

إن القوة الحقيقية للإعلام المغربي لا تكمن في الصراخ، بل في كونه يعكس ثبات الدولة ومؤسساتها. والمغرب لا يواجه اليوم جهة واحدة بل تكتلات ممولة تستثمر أموالا طائلة للتشويش على نجاحاته الدبلوماسية والرياضية والسياحية.

إن الهجوم على الإعلام الوطني من الداخل هو في واقع الأمر تقديم خدمة مجانية لهؤلاء المتربصين، لأن الإعلام الوطني في كل بقاع العالم هو مرآة للخطوط الاستراتيجية للدولة، وأول من يجب أن يدعمه هم المغاربة أنفسهم.

فبناء إعلام قوي يحتاج إلى جبهة داخلية متراصة تؤمن بأن السيادة الرقمية تبدأ من الفرد، وأن تبخيس مجهودات المهنيين المغاربة يفتح ثغرات واسعة أمام الاختراق الفكري الذي يمارسه الخصوم لزعزعة الاستقرار النفسي للمجتمع.

ومن الضروري أن يدرك المواطن المغربي اليوم أن هناك صفحات عديدة على شبكات التواصل الاجتماعي تتعمد نشر الأكاذيب واختلاق الأخبار المزيفة ضد المغرب لغرض وحيد وهو الرفع من منسوب التفاعل بكل طرائقه.

إن هذه الصفحات المستفزة تتبع خططا تسويقية خبيثة تقوم على دفع المعلقين للدخول في مشاحنات ومواجهات كلامية حادة، لأن ذلك هو الوقود الذي يجعل الخوارزميات تشتغل لصالحها، مما يؤدي إلى انتشار تلك الصفحات على نطاق واسع وتحقيق مداخيل مالية ضخمة من وراء هذا التضليل..

إن إهمال التفاعل مع هذه المنشورات المستفزة لمشاعر المغاربة، وعدم الانجرار وراء التعليق عليها، هو أقوى سلاح لإماتتها في مهدها. فحرمان هذه الصفحات من التفاعل يعني قطع أرزاق هؤلاء المتاجرين بالأزمات ومنعهم من تحقيق أغراضهم التخريبية والمالية على حساب مصلحة الوطن.

غير أن هذه الدعوة للالتفاف حول الإعلام الوطني في وجه الهجمات الخارجية، لا تعني بأي حال من الأحوال التخلي عن ممارسة النقد الداخلي البناء، أو الكف عن الكشف عن مواطن الخلل ومكامن الهشاشة في تدبير الشأن العام من خلال صحافة مسؤولة أمام المجتمع.

فالنقد النابع من الغيرة هو أداة للإصلاح، بينما التفاعل مع بروباغندا الخصوم هو مساهمة غير واعية في تمويل أعداء الوطن.

إن التكامل بين الإعلام الرسمي الرصين، والصحافة المهنية اليقظة، والإعلام المواطن الذي يمتلك الوعي الكافي لإهمال الصفحات المشبوهة، هو الحصن الحقيقي الذي يجعل من وعي المغربي سدا منيعا أمام محاولات الهزيمة النفسية.

إن معركة الوعي التي نخوضها اليوم تتطلب منا جميعا الالتفاف حول كل ما هو وطني، ودعم المنابر الإعلامية التي تدافع عن ثوابت المملكة باحترام ومهنية.

فالمغرب الذي أضحى لاعبا أساسيا في توازنات القوى العالمية بفضل ديبلوماسيته الحكيمة، يستحق إعلاما يسنده جمهور واثق ومحلل، لا ينساق وراء الإثارة الرخيصة ولا يمنح أعداءه فرصة النيل من عزيمته.