محمد المريني: لماذا تسجل محكمة النقض كل سنة ما يزيد على خمسين ألف طعن؟

بقلم محمد المريني السبت 24 يناير 2026

يستدعي المقام في البداية توجيه التحية والتقدير لنساء ورجال القضاء، الذين يقومون بواجبهم بصمت ومثابرة ومهنية ونزاهة، ويساهمون في حماية حقوق وحريات المواطنين وتوطيد دعائم التنمية وتشجيع الاستثمار.

حول أهمية التقرير السنوي :

درجت العديد من الدول الديمقراطية على وضع تقرير سنوي شامل عن نشاط محكمة النقض، يتضمن عرضا مفصلا ومستفيضا عن الصعوبات الواقعية والقانونية التي واجهتها بمناسبة نشاطها القضائي، المتمثل في الاشراف على القضاء العادي، ويتضمن كذلك ابراز القرارات الجديدة التي تحتوي على الاجتهادات القضائية التي استقرت عليها محكمة النقض، مع شرح للأسباب القانونية او الاجتماعية او الاقتصادية او السياسية او الخلقية التي كانت وراء هذا التطور، مع الإشارة ان اقتضى الحال الى النقص الذي يشوب بعض النصوص القانونية، والذي ينتظر تدخلا مستعجلا من جانب المشرع.

ولقد شكلت كلمة محكمة النقض لسنة 2026 حدثا بامتياز، لكونها أعلنت بوضوح الازمة التي تعاني منها محكمة النقض، والتي تستدعي وقفة جدية، لمناقشة ابعادها واثارها على رسالة القضاء في خدمة المواطن.

لقد أعلنت الكلمة  بعبارات واضحة ان " محكمة النقض تستغيث لانقادها من طوفان الطعون غير المنتجة ... وان اغراق محكمة النقض بالملفات سيؤدي الى التأثير على جودة المقررات القضائية واضطراب الاجتهاد القضائي، وان محكمة النقض لا تعتبر درجة ثالثة للتقاضي، ولكنها مرصودة لضبط الاجتهاد وتحقيق الامن القضائي ".

وفي هذا الإطار، يطرح سؤال جوهري، لماذا تسجل محكمة النقض كل سنة ما يزيد على خمسين ألف طعن، في الوقت الذي تسجل به مثيلاتها في دول أخرى، يزيد عدد سكانها عن عدد سكان بلدنا، اعدادا تقل مرتين عن هذا الرقم؟

لم تجب الكلمة، عن سبب هذا الطوفان، ولم تتساءل لماذا يعمد المواطنون الذين يشعرون بعدم الانصاف  في المرحلة الابتدائية والمرحلة الاستئنافية، التمسك بالالتجاء للطعن بالنقض كوسيلة لحماية حقوقهم وحرياتهم.

حول اضطراب الاجتهاد القضائي:

كما استعملت الكلمة مفهوم " اضطراب الاجتهاد القضائي"، هذا المفهوم الذي يعني عدم استقرار وتوحيد الاحكام القضائية، وذلك حين يصدر القضاة احكاما متعارضة بين نفس الخصوم ولنفس الموضوع والأسباب، وهو ما يترتب عنه التناقض البين للاحكام وفقدان الامن القضائي وضعف الثقة بين المواطنين في القضاء، وهي الحالة التي تتولد عن الحكم او القرار المخالف للقانون سواء في شقه الموضوعي او في شقه الاجرائي المسطري.

وهو إقرار على مستوى عال من الأهمية، ذلك ان تعدد الهيئات داخل كل غرفة من غرف محكمة النقض من شانه ان يؤدي الى اضطراب في غياب الية قانونية لتوحيد الاجتهاد القضائي داخل الغرفة الواحدة، لكن الامر الأكثر خطورة والمؤثر على الامن القانوني والامن القضائي ان يقع الاضطراب، في بعض الأحيان القليلة، من نفس الهيئة ومن نفس المقرر وفي نازلة تتعلق بنفس الأطراف ولنفس الموضوع ولنفس الأسباب.

حول جودة القرارات القضائية:

أشارت الكلمة ان معدل الإنتاج الفردي لكل مستشار بمحكمة النقض سنويا حوالي 270 قرارا.

وإذا قمنا بتحليل هذا الرقم المذكور، سنجد ان هذا الواقع يؤثر بشكل خطير على النشاط القضائي وعلى مصالح وحقوق وحريات المواطنين.

من المعروف ان عدد أيام السنة :360 يوما.

ومن المعروف كذلك ان في كل سنة هناك عطلة سنوية (30 يوما) كما ان أيام الأعياد الوطنية والدينية خلال سنة (16 يوما)، كما يحذف يومي السبت والأحد من كل أسبوع باعتبارها أيام عطلة (96 يوما)، ليكون مجموع أيام العطل في السنة (142 يوما)، ولتكون أيام العمل الفعلية خلال سنة (218 يوما).

ومعنى ذلك، ان كل مستشار مقرر لا يتوفر حتى على يوم عمل واحد من ست ساعات لدراسة وتحليل واعداد مشروع قرار في ملف يتضمن المرحلة الابتدائية من مقال ومذكرات ومستندات ووثائق وحكم، كما يتضمن في المرحلة الاستئنافية مقالا استئنافيا ومذكرات وقرار.

اما على مستوى المداولة داخل الهيئة التي تتشكل من خمسة مستشارين والتي سيعرض عليها سنويا 1350 مشروع قرار (270 X 5=1350)، فاذا كان عدد الجلسات المتاحة لها خلال 218 يوما، باعتبار انها تعقد جلسة كل أسبوع، هو 30 جلسة، أي انها تبت في 45 ملف في كل جلسة مدتها 6 ساعات، بما يساوي 10 دقائق لكل ملف تستغرقها المداولة.

وهنا تطرح سلسلة هامة من الأسئلة:

-       فهل 10 دقائق تكفي لمداولة هيئة تتكون من 5 مستشارين؟

-       هل هناك متسع من الوقت لاطلاع الهيئة على وقائع النازلة وعلى سماع الملاحظات الشفوية للأطراف ان طلبوا ذلك؟

-       وهل يجري التداول الجماعي في النقط القانونية موضوع النزاع المثارة في النقض؟

-       وهل يتم قراءة ومراجعة وتعديل وتصويب مشروع القرار المعد من المقرر؟

-       وما معنى النص بوجوب ان تحكم محكمة النقض بهيئة مكونة من خمسة مستشارين، إذا لم تكن العبرة بالتداول الفعلي وليس بالحضور الرمزي؟

فهل يستخلص من ذلك واقعيا وفعليا ان المستشار المقرر هو من يصدر قرار النقض؟

 

حول الإعلان عن الاجتهادات الجديدة:

وفيما يتعلق بالاجتهادات القضائية التي استقرت عليها محكمة النقض خلال السنة المنفرطة، فعدى ما تمت الإشارة اليه في كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض بخصوص مستجدات القرارات المتخذة بمجموع الغرف او بغرفتين او من طرف الغرف المنفردة: المدنية والاحوال الشخصية والعقارية والتجارية والإدارية والاجتماعية والجنائية، فإن المقام كان يستدعي البحث عن قرارات رائدة، بالإعلان عنها والتنويه بها كاجتهادات قضائية طليعية، تنهل مما يعتبر مخطط الطريق الاستراتيجي، المتمثل في الدستور كأسمى قانون في البلاد، ومنها خاصة:

-       حقوق الدفاع، والحق في محاكمة عادلة.

-       الجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات والمؤسسات والشركات العمومية، متساوون امام القانون وملزمون بالامتثال له.

-       الرجل والمرأة، على قدم المساواة، للتمتع بكافة الحقوق والحريات.

-       كفالة حرية الراي والتعبير والفكر.

-       حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب في نطاق القانون.

-       مكافحة التمييز.

-       سمو الاتفاقيات الدولية، التي صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية.

حول استقلال القضاء:

وبمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، فإن الذكرى اليوم، وبعد تجربة 15 سنة، تسائلنا حول ما تم إنجازه في موضوع استقلال السلطة القضائية بمقتضى دستور 2011.

ينبغي التذكير اليوم انه بفضل النضال المستميت ، الذي قامت به القوى الوطنية والتقدمية وهيئات المحامين والحقوقيين الذي دام لأزيد من نصف قرن، وبفضل الإرادة الملكية، تم إقرار استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، وبذلك تحول القضاء من وظيفة الى سلطة مستقلة، وكان من نتائج ذلك تكوين المجلس الأعلى للسلطة القضائية من 20 عضوا، منهم 13 عضو من سلك القضاء، إضافة الى رئيس مؤسسة وسيط المملكة ورئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان و خمس شخصيات يعينها الملك مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون.

ومع ذلك يحق لنا اليوم ان نتساءل حول الأشواط التي قطعت من اجل إرساء استقلال حقيقي للقضاء.

استقلال القضاء ينبغي ان يكون له ضوابط وقواعد، فممارسة كل سلطة باعتبارها في نفس الوقت امانة وتكليف، يترتب عنها المساءلة والمحاسبة، لجعلها في المسار الصحيح من اجل ان تصدر الاحكام في إطار التطبيق العادل للقانون.

ومن اجل ذلك يتعين من جهة أولى، تمكين المتقاضين من عرض تظلماتهم على الراي العام بكل حرية، للاطلاع على ما تقضي به المحاكم من احكام وقرارات، ومدى مطابقتها للقانون، من حيث فحص الوقائع وسلامة التكييف والتسبيب.

ان تعزيز منسوب الثقة في الجهاز القضائي، ينطلق من حماية حقوق المواطنات والمواطنين والجماعات وحرياتهم وامنهم القضائي، ولا يمكن تحقيق التنمية وتشجيع الاستثمار الا من خلال قضاء نزيه عادل وشفاف.

ومن جهة ثانية، يتعين القول اننا نريد عدالة في بلد معين ومحدد هو المغرب، بتاريخه وثقافته وهويته، ولا يمكن بناء هذا الصرح الا بدور مركزي وفعال للمؤسسة الملكية في حقل القضاء.

صحيح أولا ان الاحكام تصدر باسم الملك وباسم القانون.

وصحيح ثانيا ان الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وصحيح ثالثا ان الملك هو الضامن لاستقلال القضاء.

لكن فوق ذلك، فإن الملك هو الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة، وهو الساهر على حقوق وحريات المواطنات والمواطنين والجماعات بصفته امير المؤمنين.

وامارة المؤمنين تعني القيادة العليا للمؤمنين، في شؤونهم الدينية والدنيوية، وهي بهذه الصفة وكيلة عن الامة للحفاظ على وحدتها وهويتها وتنوع روافدها واستقرارها وامنها ومصالحها وحرياتها، مع العلم انه ولمدى 13 قرنا، كان القضاء ولايزال من وظائف امارة المؤمنين.

وبروح الثورة الدائمة للملك والشعب، كما عبر بذلك الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب بتطوان بتاريخ 20/8/2009، فتح آنذاك ومنذ 16 سنة ورش الإصلاح العميق للقضاء، الذي تحقق في اطاره جملة من الإصلاحات، من بينها تخويل المجلس الأعلى للسلطة القضائية حصريا الصلاحيات اللازمة لتدبير المسار المهني للقضاة، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم.

واستلهاما من روح هذا الخطاب التاريخي، الذي اعتبر:

" ان الإصلاح الجوهري للقضاء حجر الزاوية في ترسيخ الديمقراطية والمواطنة، وانه العماد لمساواة المواطنين امام القانون وملاذا للإنصاف الموطد للاستقرار الجماعي، بل لقوة الدولة وحرمة مؤسساتها، باعتبار العدل هو أساس الملك، بتخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ " .

استلهاما من ذلك، يجدر بنا اليوم احياء المقترح الملكي بإيجاد هيئة استشارية قارة تعددية وتمثيلية او مرصد قضائي ، يشكل اطارا لبحث تظلمات المواطنين المرتفقين المتعلقة بالقضايا ذات الصلة بالعدالة، وذلك في احترام تام لصلاحيات المؤسسات الدستورية، واستقلال السلطة القضائية، واختصاصات السلطات العمومية .

ان استقلال القاضي المقرر في الدستور، كما جاء في قرار المجلس الدستوري رقم 16/992 م د بتاريخ 15 مارس 2016 يعتبر انه :

 " حماية له من أي تدخل، وليس امتيازا له، وانما هو مسؤولية وتكليف من اجل حماية حقوق الأشخاص والجماعات، ولا يمكن ان يتحول هذا المبدأ الى عائق يحول دون تطبيق مبدأ دستوري اخر يتمثل في مسؤولية القاضي تأديبيا ومدنيا وجنائيا، وهي مسؤولية منبثقة  من واجباته الدستورية تجاه المتقاضين ، بما يفرضه ذلك من استقلال وتجرد والتزام بالدستور وبالقانون وبالأخلاقيات القضائية ... المتمثلة في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وامنهم القضائي وتطبيق القانون، وفي ضمان محاكمة عادلة ...

وحيث انه لئن كان لا يجوز الخلط بين الاجتهاد، المتمثل في المجهود الفكري الذي يبذله القاضي وفق الأصول المتعارف عليها في هذا الصدد، لتفسير وتطبيق مقتضيات القانون، بما يحتمله ذلك من الصواب والخطأ، وما بين الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف وكذا الخرق الخطير لقانون الموضوع، وهي اعمال تعتبر – سواء كانت عمدية او ناتجة عن تهاون غير مستساغ – اخلالا من القاضي بواجباته المهنية ".

ومن كل ما سبق، ينبغي التأكيد، انه وان كان من واجبات الملك ضمان استقلال القضاء، فإن هذا الضمان يوازيه حق المواطن في التشكي بين يدي الملك بكل اخلال من القاضي بواجباته الدستورية والمهنية للتطبيق العادل للقانون، استنادا لصفة الملك كحامي للحقوق والحريات.

واذا كانت الدولة والحكومة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، كمكونات للسلطة التنفيذية، تخضع في احترام قواعد الالتزام بالنفقات ولمنع التزييف او الحصول على منافع شخصية، لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، فإن القاضي الذي يتمتع بالاستقلال ليقضي بالقانون، عليه ان يتحلى بالحياد بين اطراف النزاع، وان لا يخضع لأهوائه او ميولاته، وان يصدر حكمه بعد درس وتحر وبحث وعلم واجتهاد، بوجه يدعو المتقاضين والكافة بالاقتناع، وبما يعزز الثقة في القضاء.

ان هناك خيط رفيع  يفصل ما بين الخطأ كخلة بشرية لم ينج منها حتى الأنبياء، وما بين الحكم خلاف النص التشريعي الجلي والاجتهاد القضائي المتواتر، وان اعتماد المقاربة القضائية و الملكية والبرلمانية والشعبية من شأنها ان تجعل القاضي يستحضر في كل وقت وحين، انه وان كانت له سلطة مستقلة، وان كان لا يجوز لأي هيئة تشريعية او تنفيذية ان تتخذ أي اجراء ضده لمجرد الظن انه اصدر قرارا خاطئا، فإن ذلك لا يعني ان الاحكام والقرارات لا يمكن المساءلة عنها والمحاسبة بشأنها، ان كلا من الاستقلال والمسؤولية يقيدان ويبرران ويعززان احدهما الاخر ، ويضفي كل منهما المشروعية على الاخر ، بالموازنة بين السلطة والمسؤولية ، دون السماح لاحدهما ان يحجب الاخر