«الكان» وفتنة السوشل ميديا!

محمد أبويهدة الأربعاء 21 يناير 2026
stade rabat marhaba
stade rabat marhaba



يوميا يتم إنشاء الآلاف من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. الهدف كما تحمل اسم هذه المنصات هو التواصل. وهذه العملية تفترض أن يتم هذا التواصل عن طريق معلومات وبيانات على شكل منشورات كتابية أو صوتية أو صور أو فيديوهات.

يوميا يتم إنتاج الملايين من المحتويات من طرف أشخاص وأفراد ومواطنين ومؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية.

يتم استهلاك هذه المعلومات في العالم الافتراضي وإعادة إنتاجها بشكل متواتر وعلى مدار ساعات اليوم، ويتم تقاسمها بين الأفراد والمجموعات ومختلف الهيئات، بهدف المعرفة أو التأثير.

في نموذج مماثل من العالم الواقعي يتم يوميا استهلاك مئات الآلاف من الأطنان عبارة عن مواد غذائية. وكلما أراد شخص ما أن يلتهم وجبة غذائية أو أي منتوج له علاقة بالغذاء كي يملأ بطنه إلا ويتحرى مدى صلاحيته للاستهلاك لتجنب أي أضرار جانبية على الصحة. لكن استهلاك المعلومة في مواقع التواصل الاجتماعي لا يخضع لأي تحري أو تحقق من توفر الحدود الدنيا لشروط السلامة، ذلك أن الفرد لا يتوفر له الإحساس المادي لاستهلاك معلومة غير صحيحة، كما هو الشأن عند استهلاك وجبة سامة يكون لها تأثير سريع وتتسبب في مغص ينخر البطن.

تتأرجح الطبيعة البشرية بين الصدق والكذب تحت شعار: الغاية تبرر الوسيلة. وبنفس الشعار يتم استعمال واستهلاك المعلومة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي حبلت هذه الأيام في بلدنا بالعديد من المعلومات والبيانات والصور والفيديوهات المرتبطة بنهائي الكان المنظمة بالمغرب.

النهائي بين المغرب والسنغال وما صاحبه من تقاسم لمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يشكل لحظة تأمل في كيفية تحويل مشاعر مختلفة إلى بيانات تم تداولها وإعادة إنتاجها واستهلاكها بسرعة كبيرة وبحجم أكبر، وفي غياب شروط السلامة، ما حولها إلى وجبة دسمة لكنها سامة.

منذ بداية الكان تعرض التنظيم والمغرب باعتباره البلد المنظم لهجوم ممنهج من طرف حسابات جزائرية على مواقع التواصل الاجتماعي، تحركها آلة عدائية منظمة مصدرها الجزائر تمكنت من التأثير في شعبها  مستغلة وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. منطق مواقع التواصل الاجتماعي أنها تستجيب لمطالب وهوى المتصفحين. فكلما اطلع متصفح ما على محتوى معين إلا وتمطره بالعشرات من النماذج المشابهة. لكن في هذه الحالة لم يتم استهداف مضمون المحتوى بل أيضا موقع المتصفح، فاستهدفت هذه المحتويات كل حساب له علاقة بالمغرب وبالكان بمعلومات كاذبة ذات طبيعة عدائية، وعلى نفس المنوال سارت بعض الحسابات المصرية غير المعروفة بعد واقعة المدرب المصري والجمهور المغربي.

حسابات الأشخاص العاقلين والواعين والعارفين بخبايا السوشل ميديا هي وحدها التي شكلت جدار الصد في هذه الهجمة الشرسة.

على مستوى آخر، وخلال المباراة النهائية وبعدها، تضاعفت المحتويات العدائية التي تتغذى على معلومات كاذبة وأخبار زائفة وتجاوزت هذه المرة الرقعة الجزائرية. ومرة أخرى شكلت الأصوات العاقلة سلاحا لمواجهة هذا الحشد الهائل.

طبعا متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي سواء المغاربة وغيرهم لا يعملون بمبدأ السلامة الإلكترونية التي تقتضي التساؤل حول صحة هذه المحتويات وتمحيصها، ذلك أن الهوى يسبق التحقق، وبالتالي فإن كل محتوى ينسجم مع هوى المتصفح وما ترسب في نفسه من مشاعر يصبح قابلا للتصديق، فالاستهلاك، ثم إعادة الإنتاج عبر الترويج.

الحسابات المعادية للمغرب والتي تضررت كثيرا من التنظيم النموذجي بدأت تبحث عن كل زلة يمكنها أن تسيء للمملكة ولأمنها بالخصوص، فبدأت باستغلال الوفاة الطبيعية لإعلامي من دولة مالي نتيجة مرض كان يعاني منه، ونسجت قصة بوليسية تستهوي الجمهور وهو ما نفته النيابة العامة في بلاغ واضح.

 السردية الكاذبة لم تقف عند هذا الحد واستمرت في اختلاق الأكاذيب وترويجها، في النهاية لم تجد سوى شغب بضعة أفراد من الجمهور السنغالي بملعب مولاي عبد الله كي تطلق العنان لخيالها وتروج لمقتل واحد من أفراد الأمن الخاص، وهي الإشاعة التي روج لها حتى رواد السوشل ميديا المغاربة الذين انخرطوا في تقاسمها دون تحقق، قبل أن يكذب بلاغ للأمن الوطني هذه الواقعة.

هذا الكم من الوقائع والمعلومات الكاذبة والمختلقة الذي تم الترويج له بين الجماهير الرياضية أنتج كما من المشاعر المتضاربة تم تصريفها عبر سلوكات لا أخلاقية امتدت إلى التلاسن والسب والشتم والعنصرية، وتحولت إلى وجبة دسمة، لكنها سامة لوثت المزاج العام.

لقد حرص المغرب من خلال تنظيم البطولة الإفريقية على الترويج لقيم كثيرة اشتهر بها المغاربة: الاحترام والسلام والتسامح والكرم. هي عناصر أساسية تدخل في تركيبة "تمغربيت" الفريدة، والتي لا تتغير تحت أي تأثير من مشاعر لحظية أو مصطنعة أو مواقف معادية، لأنها مترسخة في جذور الحضارة المغربية وروافدها الثقافية المتنوعة.

هذه القيم هي التي سعى المغرب إلى الترويج لها عبر شتى الوسائل، منها كرة القدم كقوة ناعمة بإمكانها أن ترسخ صورة "تمغربيت" الأصيلة بين الشعوب والدول، كجسر للتواصل الإيجابي وتبادل القيم السمحة لا كجسر لخطاب الحقد ونشر الفتنة.

 وواهم من يعتقد أنه بمثل هذه الخطابات الافتراضية الممنهجة والموجهة يمكنه أن ينتزع المغرب من جذوره الإفريقية.