عبد النباوي: نظام الصفقات العمومية بالمغرب عرف إصلاحات متعددة ومستمرة

أحداث. أنفو الاثنين 19 يناير 2026
عبد النباوي
عبد النباوي

قال محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إن  دور الصفقات العمومية برز في قلب الدينامية التي جعلت من الاستثمار العمومي رافعة أساسية لإنجاز الأوراش الاستراتيجية الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، ودعم النسيج المقاولاتي الوطني، ليس كأداة لتلبية حاجيات المرافق العمومية وتنزيل الاستراتيجيات القطاعية فحسب، بل كمحدد ومعيار أساسي لتقييم التدابير المتخذة من طرف الإدارة لتنزيل خيارات المملكة لإرساء قواعد الحكامة الجيدة والشفافية والمنافسة ومكافحة الفساد.

وأوضح عبد النباوي، في الندوة العلمية التي نظمتها وزارة التجهيز والماء تحت شعار (التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات)، جلالة الملك في خطابه بمناسبة ذكرى عيد العرش لسنة 2011، أن " التعاقد الاقتصادي الجديد، يقتضي الاهتمام بمنظومة الإنتاج الاقتصادي، وإذكاء روح المبادرة الحرة، خاصة من خلال تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما ينسجم مع روح الدستور الجديد الذي يكرس دولة القانون في مجال الأعمال، ومجموعة من الحقوق والهيئات الاقتصادية الضامنة لحرية المبادرة الخاصة، ولشروط المنافسة الشريفة وآليات تخليق الحياة العامة، ولضوابط زجر الاحتكار والامتيازات غير المشروعة واقتصاد الريع والفساد والرشوة".

وأضاف أن نفس المضامين تضمنتها الرسالة الملكية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في المنتدى الوطني للوظيفة العمومية العليا بالرباط يوم 27 فبراير 2018، حيث قال جلالته : "إن إشكالية التدبير الفعال للموارد ومستلزمات النهوض بالتنمية الشاملة، يَطرح بحدة مسألة نجاعة الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة، مع ما يقتضيه الأمر من مراجعة أساليب عملها، وطرق تدبير الموارد العمومية، في اتجاه التوظيف الأمثل للإمكانات المتاحة".

واعتبر المسؤول القضائي أن تميزت بمراجعات متتالية للإطار القانوني المنظم للطلبيات العمومية، كان آخرها المرسوم رقم 2.22.431 الصادر بتاريخ 8 مارس 2023، والذي شكل نقلة نوعية، ونقطة تحول كبرى في مسار هذا الإصلاح المستمر، والذي أرست معالمه الكبرى المناظرة الوطنية للصفقات العمومية لسنة 2009.

وأكد المسؤول ذاته، أن الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية تسعى لمواكبة أهمية الاستثمار العمومي في بلدنا، والتي قاربت (في سنة 2024) ثلاثة أرباع مجموع الاستثمارات بالمملكة. وإن هذه النسبة الهامة أدت بطبيعة الحال إلى ازدياد النزاعات أمام "القضاء الإداري بالمحاكم المغربية.

وأشار عبد النباوي إلى أن مجموع القضايا المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية المسجلة بالمحاكم الإدارية بالمملكة خلال السنوات الثلاث الأخيرة انتقلت من 1969 ملفاً سنة 2023 إلى 2218 ملفاً سنة 2024، لتصل إلى 2577 ملفاً سنة 2025.

وكشف أن المحاكم الإدارية بدرجتيها الأولى والثانية أصدرت خلال هذه الفترة، ما مجموعه 6928 مقرراً قضائياً، 46% منها صدرت عن المحكمتين الإداريتين الابتدائية والاستئنافية بالرباط. ولهذا السبب فإن القضاء، باعتباره مصدر الأمن القضائي للأفراد والجماعات، لم يكن بمعزل عن النقاش العمومي الدائر حول إصلاح نظام الصفقات العمومية.

وشدد المتحدث ذاته، على أن السلطة القضائية تواكب هذا النقاش بما يلزم من حرص واهتمام، وتلتقط الرسائل الرامية إلى تحقيق الغايات المنشودة من طرف المشرع، والمقررة بالدستور، سواء فيما يتعلق بحماية الحقوق والحريات أو المال العام. وبما يراعي قوة العقود وضمان التوازن القانوني بين المصالح العامة والخاصة وتكريس مبادئ الشفافية والتنافسية والحكامة الجيدة في التدبير.

وفس سياق متصل أبرز عبد النباوي، أن دور القاضي الإداري يتضح في مراقبة الصفقات العمومية وضبط توازناتها، باعتباره ضمانة أساسية لحماية الشرعية التعاقدية وتكريس الأمن القانوني والقضائي، بما يصون حقوق المتقاضين ويحمي المصلحة العامة.

وأكد في هذا الإطار على أن الرقابة القضائية على العقود الإدارية، وفي مقدمتها الصفقات العمومية، تستند إلى القانون ومنطق القضاء الإداري، الذي لا يَروم تعطيل نشاط المرفق العام، بقدر ما يَهدف إلى تنظيمه وضبطه وفقاً لقواعد الشفافية والمشروعية.

وذكر أن العقد الإداري يقوم على امتيازات ممنوحة للإدارة خدمة للمصلحة العامة، من قبيل سلطة التوجيه والرقابة وتوقيع الجزاءات وتعديل شروط العقد وإنهائه عند الاقتضاء. غير أن هذه الامتيازات تقابلها حقوق وضمانات مقررة للمتعاقد مع الإدارة، تمكنه من حماية مركزه القانوني والمالي، واستعادة التوازن العقدي كلما اختل بفعل تصرفات الجهة الإدارية، أو بفعل ظروف استثنائية غير متوقعة.

وأردف موضحا أن القضاء الإداري المغربي، أسهم عبر اجتهادات متواترة لمحكمة النقض والمحاكم الإدارية، في بلورة قواعد متقدمة في هذا المجال، سواء من حيث تحديد الاختصاص في النزاعات ذات الصلة بالصفقات العمومية، أو من حيث ضبط شروط استحقاق ثمن الصفقة، أو تنظيم الجزاءات المالية، أو مراقبة مشروعية قرارات الفسخ، مع الحرص الدائم على التناسب بين جسامة الإخلال والجزاء المعتمد، حماية للمال العام من جهة، ولحقوق المقاولة الجادة من جهة أخرى.

من جهة أخرى، أكد عبد النباوي، على أن السلطة القضائية منفتحة باستمرار على مختلف الفاعلين المؤسساتيين للمساهمة في المجهود الوطني الرامي إلى إصلاح نظام الصفقات العمومية بالمغرب، وحماية الاستثمار الخاص والعام.

وفي هذا الإطار ذكر عبد النباوي أن مشاركته تندرج في هذه الندوة العلمية الوطنية الهامة من نتائج اتفاقية التعاون والشراكة الموقعة بين محكمة النقض ووزارة التجهيز والماء بتاريخ 16 مارس 2022، والتي ترمي إلى تعزيز التعاون بين الطرفين في مجالات التبادل الالكتروني والورقي للإصدارات والمنشورات، والتي كان من بين أهدافها تعزيز تبادل الخبرات وتنمية وتطوير الكفاءات عبر تنظيم دورات تكوينية وأنشطة علمية مشتركة تهم مجال اشتغال الطرفين، وإصدار منشورات مشتركة في هذه المجالات.

وتفعيلاً لهذه الاتفاقية، قال رئيس المجلس الأغلى للقضاء إن اللجنة التقنية المشتركة منكبة حالياً على وضع برنامج لسلسلة من الندوات سيتم تنظيمها خلال سنة 2026 تهدف إلى مناقشة الإشكاليات القانونية التي تثيرها النصوص المؤطرة للصفقات العمومية، والتوجهات القضائية المرتبطة بذلك.

وشدد على أن الرهان اليوم لم يعد مقتصراً على معالجة المنازعات بعد نشوئها، بل أصبح يرتكز، قبل ذلك، على بناء منظومة وقائية متكاملة تسهم في الحد من أسباب النزاع، ويقوم هذا النهج الوقائي على جملة من التدابير الأساسية من أبرزها:

الارتقاء بجودة إعداد وتنفيذ وتتبع الصفقات العمومية؛ ودعم تنمية القدرات المهنية للمتدخلين في مختلف مراحل هذا المسار؛ ومواكبة التوجهات القضائية للقضاء الإداري المغربي؛ ثم الوسائل البديلة لفض المنازعات من وساطة وصلح وتسوية ودية، كلما توفرت شروط ذلك.