أبرزت ورقة سياسات حديثة عددا من المؤشرات المرتبطة بوضعية الشابات في سوق الشغل بالمغرب، في سياق تتبع تطور مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي خلال العقود الأخيرة، وذلك بالاعتماد على معطيات إحصائية رسمية وتحليل اقتصادي مقارن.
وأفادت الورقة، الصادرة عن مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية تحت عنوان “بطالة (وعدم) تشغيل النساء في المغرب”، أن معدل تشغيل النساء الشابات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 سنة عرف تراجعاً ملحوظاً منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حيث انتقل من حوالي 20 في المائة في تلك الفترة إلى أقل من 10 في المائة سنة 2024.
وأوضح التقرير أن هذا التطور لا يرتبط بمرحلة ظرفية محددة، بل يعكس مساراً امتد على فترات زمنية مختلفة، شملت ما قبل جائحة كوفيد-19 وخلالها وبعدها، ما يشير إلى وجود عوامل هيكلية تؤثر على إدماج الشابات في سوق الشغل.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وبالاستناد إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، سجلت الورقة أن معدل تشغيل الإناث ضمن الفئة العمرية 15–24 سنة انتقل من 19.97 في المائة سنة 1991 إلى 9.56 في المائة سنة 2024.
وخلال الفترة نفسها، عرف المغرب تحولات اقتصادية مهمة، شملت تحرير الاقتصاد، وتنويع النسيج الإنتاجي، وتوسيع البنيات التحتية، إلى جانب ارتفاع الناتج الداخلي الخام للفرد. غير أن هذه التحولات، بحسب التقرير، لم تواكبها زيادة مماثلة في تشغيل الشابات، حيث تُظهر المعطيات تزامن نمو الدخل الفردي مع تراجع معدل تشغيل هذه الفئة.
وفي سنة 2024، بلغت نسبة مشاركة الشابات في سوق الشغل نحو 12 في المائة، مقابل حوالي 33 في المائة لدى الذكور من الفئة العمرية نفسها. وأشار التقرير إلى أن هذا الفارق يظهر في مرحلة مبكرة، تزامناً مع الانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية، ولا يرتبط حصرياً بعوامل لاحقة مثل الزواج أو الأمومة.
وقدّم التقرير قراءة تحليلية لهذا المعطى بالاستناد إلى ما يُعرف بـ“فرضية المنحنى U”، التي تفترض أن مشاركة النساء في سوق العمل قد تعرف انخفاضاً في المراحل الأولى والمتوسطة من التنمية الاقتصادية. ووفق الورقة، يسجل المغرب حالياً ارتباطاً سلبياً بين نمو الناتج المحلي الإجمالي وتشغيل الشابات، بلغ ناقص 0.89، ما يضعه ضمن المرحلة الهبوطية من هذا المنحنى.
وعزا المصدر هذا التطور إلى التحول التدريجي للاقتصاد من الفلاحة، التي كانت تستوعب عدداً من النساء في إطار العمل الأسري غير المأجور، نحو قطاعات صناعية وخدماتية لم تتمكن بعد من استيعاب الشابات بنفس الوتيرة.
كما تناول التقرير وضعية فئة الشباب خارج التعليم والعمل والتكوين (NEET)، مشيراً إلى أن عددها يناهز 1.5 مليون شاب وشابة على الصعيد الوطني، تشكل النساء حوالي 72.8 في المائة منهم. وتتوزع أسباب عدم النشاط الاقتصادي لدى الشابات، أساساً، بين رعاية الأطفال والأعمال المنزلية بنسبة 74.8 في المائة، إضافة إلى عوامل سوسيو-ثقافية أخرى، من بينها معارضة الأسرة بنسبة 8 في المائة، وغياب الاهتمام بالعمل بنسبة 8.9 في المائة.
وعلى مستوى الأجور، أفادت الورقة بأن الشابات يتقاضين، في المتوسط، أجوراً أقل بنحو 20 في المائة مقارنة بالرجال، مع تمركز غالبية الوظائف النسائية في قطاعات ذات مستويات أجر منخفضة.
وسجل التقرير وجود مجموعة من التحديات التي تحد من أثر السياسات العمومية الرامية إلى تعزيز تشغيل النساء، من بينها استمرار بعض الأدوار الاجتماعية التقليدية، ووجود ممارسات غير رسمية تربط عمل المرأة بموافقة الأسرة في بعض الأوساط، فضلاً عن الفجوة بين منظومة التعليم ومتطلبات سوق الشغل. وفي هذا السياق، أشار المصدر إلى أن نسبة البطالة في صفوف الخريجين تجاوزت 60 في المائة سنة 2022.
كما أبرزت الورقة محدودية بعض البنيات الداعمة، خاصة ما يتعلق بتوفر دور حضانة الأطفال بأسعار مناسبة، وصعوبات الولوج إلى وسائل نقل عمومي آمنة، باعتبارها عناصر مؤثرة في قرارات الولوج إلى العمل.
وخلص التقرير إلى أن تحسين مؤشرات تشغيل النساء يستدعي اعتماد مقاربة شمولية ومتكاملة، تشمل توسيع شبكات حضانة الأطفال، وتعزيز النقل العمومي، وتفعيل مبدأ المساواة في الأجر، إلى جانب تطوير آليات تسهيل الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، من خلال برامج تدريب مدفوعة الأجر.
كما أوصى بإطلاق مبادرات تحسيسية تروم تعزيز تمثلات إيجابية حول عمل المرأة ودورها الاقتصادي، ودعم التعاونيات النسائية، خاصة في المناطق القروية، بهدف تثمين العمل غير المأجور وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء.