أخنوش: درس بيداغوجي في المعنى السياسي

الرباط: حنان رحاب الاثنين 12 يناير 2026
IMG-20260110-WA0002
IMG-20260110-WA0002

أعلن عزيز أخنوش بصفته رئيسا للحزب الذي يقود الحكومة الحالية، قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما جعل المكتب السياسي للحزب يعلن مباشرة تلقي طلبات الترشح لخلافته، والإعلان عن مؤتمر استثنائي يوم 7 فبراير لاختيار رئيس جديد.

 لقد كانت كل المؤشرات السابقة تفيد احتمالا كبيرا لعودة عزيز اخنوش لقيادة حكومة المونديال، بالنظر إلى ما حققته الحكومة الحالية في ظرفية صعبة، تميزت بتوالي سنوات الجفاف، وبتداعيات الخروج من تبعات جائحة كوفيد 19، وبانعكاسات الوضع الدولي المتسم بعودة الصراعات المسلحة، والحروب الاقتصادية والتجارية بين الدول الكبرى، واستمرار أوضاع الشريك الأوروبي في التراجع، مما أثر سلبا على انسيابية سلاسل التوريد عالميا، وتراجع الاستثمارات الخارجية، وصعوبات في التجارة البينية بين الدول.

  لقد نجح عزيز أخنوش في قيادته للحكومة، وفي تأمين انسجام أغلبيتها، بالرغم من أنها مشكلة من الأحزاب الثلاثة الأولى وطنيا، والتي عادة ما تكون المنافسة قوية بينهما انتخابيا، كما نجح في قيادته لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقر الجميع، بما فيه منافسوه بأنه عرف تحولات خلال ولاية عزيز أخنوش.

  ومن معالم هذا التحول، يمكن رصد مجموعة من المؤشرات، من بينها:

المزاوجة بين التنخيب والجماهيرية: ذلك ان التجمع الوطني للأحرار ظل تاريخيا حزبا بقدر ما يضم أطرا تكنوقراطية، وأخرى منتمية لعالم المال والأعمال، بقدر ما يفتقر إلى تجذر داحل الأوساط الشعبية، لكن في ولاية عزيز اخنوش لاحظنا قدرة الحزب على توسيع قاعدة منخرطيه لتشمل تعبيرات طبقية ومهنية مختلفة: موظفون، تجار صغار، حرفيون،،، وهذا ما انعكس حتى على تمثيليته داخل إطارات نقابية، وحضوره من خلال مجموعة من الإطارات الموازية: العمل الاجتماعي، العمل الجمعوي، الاقتصاد التضامني،،

 

استقطاب الكفاءات: استطاع الحزب خلال ولايتي عزيز أخنوش توسيع قاعدة الكفاءات المنتمية للحزب، ولم يكن ذلك بسبب جاذبية ترؤس الحزب للحكومة، بقدر ما كان نتيجة عمل مخطط له، بحيث تحركت روابط الحزب في قطاعات مختلفة (المحاماة، الأساتذة الجامعيون، الأطباء، الموثقون.. ) لعقد لقاءات تواصلية مع الكفاءات غير المنخرطة في العمل السياسي، وخصوصا في أوساط مغاربة العالم، ولم يتم الاكتفاء بالاستقطاب، بل أسندت لهذه الكفاءات مهام سواء في الحمومة، او دواوين الوزراء، أو في فعاليات التكوين ووضع برامج الحزب في قطاعات مختلفة.

التواصل المستديم: إن حزب التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الأول وطنيا، على مستوى عقد اللقاءات التواصلية مع المواطنات والمواطنين، وهي لقاءات لم تنته بانتهاء الحملة الانتخابية لاقتراع 2021، بل تواصلت طيلة الولاية الحكومية والبرلمانية الحالية، فلم ينتظر الحزب قرب الانتخابات ليقوم بحملات سابقة لأوانها، وكان حريصا على عرض حصيلته، والاستماع لانتقادات المواطنين كما لتطلعاتهم.

 إن كل ما سبق وغيره، يجعلنا نقر بأننا كنا امام تجربة حزبية رائدة، وأمام تصور للعمل الحزبي ينسجم مع التحولات المجتمعية والسياسية والتكنولوجية وطنيا ودوليا.

 لقد كان بإمكان عزيز أخنوش، أن يفوز بولاية ثالثة على رأس الحزب بسهولة ويسر، وباقتناع من قاعدته الحزبية، كما كان بإمكانه ان يكون رئيس الحزب خلال الانتخابات، مما يؤهله لرئاسة الحكومة في حال تصدر حزبه للانتخابات، تماهيا مع أعراف التعيين الملكي للرئيس المكلف بتشكيل الحكومة.

 وبغض النظر عن أي تأويلات مفترضة لقراره عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، فإن ما بين أيدينا حاليا، وبدون رجم بالغيب، او محاولة ممارسة إسقاطات لا تسندها وقائع مثبتة، يظل ما قام به السيد عزيز اخنوش درسا بيداغوجيا في معنى العمل السياسي والحزبي.

 لقد اختار أن يحافظ على تقليد سياسي حداثي، يكاد يكون قاعدة غير معلنة في كل التجارب الحزبية المعتبرة دوليا، والتي تقضي باعتماد ولايتين فقط لرئيس الحزب، تفعيلا لمبادئ التناوب وتجديد النخب، ذلك أن من مؤشرات القيادة الحزبية الناجعة هي القدرة على خلق نخب قادرة على استلام مشعل القيادة.

 

كما اختار ان يغادر قيادة الحزب، والتي ستفضي في حالة تصدر التجمع الوطني للأحرار للانتخابات القادمة، إلى تكليف القائد الجديد للحزب بمهام فتح المشاورات من اجل تشكيل الحكومة الجديدة، وهو في اوج عطائه الحزبي والحكومي، وبالتالي سيخرج من الأبواب الكبرى، وليس من النوافذ الضيقة.

 

ومن المعاني السياسية كذلك، هو التعجيل بعقد المؤتمر، حتى يتسنى للقيادة الجديدة ترتيب أوراقها بمدة كافية قبل خوض غمار الانتخابات البرلمانية.

 

كما ان سرعة الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي في حدود شهر، بعد قرار عزيز اخنوش، يعني ان الحزب من الناحية التنظيمية غير متخوف من حدوث صراعات تنظيمية قد تؤثر على مسيرته في الفترة الحالية.

 وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مسيرة الرجل الحزبية والسياسية، فلا يمكن لمنصف إلا ان يعتبر قراره الأخير سابقة إيجابية في المشهد الحزبي، لمعنى القيادة، ومعنى التناوب، ومعنى التنخيب، ومعنى النبل السياسي.