كان من المفروض أن نشاهد ديربيًا على مستوى التطلعات، يجمع بين خصمين يتنافسان على الصدارة، ويقدمان كرة هجومية تعكس حجم التوهج الذي رافق نتائجهما في الأسابيع الأخيرة. وكان من الطبيعي أن يكون الوداد هو الطرف الأكثر اندفاعًا، بالنظر إلى الحالة البدنية الجيدة التي أظهرها لاعبوه في المباريات السابقة، مقارنة بلاعبي الرجاء الذين بدت عليهم علامات الإرهاق بشكل واضح، وهو لغز يحتاج القائمون على العارضة التقنية للفريق الأخضر إلى تفسيره لجماهيره.
لكن ما حدث داخل الميدان خالف كل التوقعات، إذ بدا مدرب الوداد متحفظًا إلى حدٍّ كبير، وكأنه يخشى المغامرة رغم تفوق فريقه من الناحية البدنية. غابت الحلول الهجومية، وتحوّل الأداء إلى تكرار ممل للكرات العرضية في اتجاه أمرابط على الجهة اليمنى، فيما اختفت القوة الاختراقية للورش، وفقد الهنوري فاعليته في منطقة العمليات. وفي الجهة المقابلة، لم يكن مدرب الرجاء أفضل حالًا، إذ بدا فريقه بلا أفكار واضحة في البناء الهجومي، مكتفيًا ببعض المحاولات الفردية الباهتة من النفاتي وبوغرين، دون أن تظهر أي لمسة جماعية قادرة على قلب الموازين أو تهديد مرمى الخصم.
المواجهة الحقيقية لم تكن فوق العشب، بل في المدرجات. هناك، حيث احتفل فصيلا "أولترا" الوداد والرجاء بالذكرى العشرين لتأسيسهما، تحولت الأجواء إلى معركة استعراض للقوة البصرية والصوتية. كل طرف حاول أن يُثبت تفوقه على الآخر بكراكاج متواصل ومفرقعات أضاءت السماء وأربكت الأرض، حتى صار المشهد أقرب إلى سيرك جماهيري ضخم منه إلى خلفية لديربي كروي. ذلك الصخب الجماهيري اللافت أثّر بشكل مباشر على إيقاع المباراة، ومنع اللاعبين من الدخول في أجوائها الطبيعية، خصوصًا في الدقائق العشر الأولى التي حاول فيها الرجاء فرض إيقاعه الهجومي، قبل أن يتبخر كل شيء بسبب التوقف الطويل الناتج عن الكراكاج الأول الذي تجاوز عشر دقائق كاملة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وإذا كان كثيرون يُثمنون ما تقدمه “الأولترا” من إبداع بصري وفني في تنشيط المدرجات، فإن المفارقة تظل قائمة: كيف تدخل كل هذه الشهب والمفرقعات إلى الملعب رغم الإجراءات الأمنية الصارمة؟ سؤال يتكرر في كل ديربي، ويظل بلا جواب، كأنه جزء من طقوس اللعبة التي لا يريد أحد كسرها.
أما داخل المستطيل الأخضر، فقد بدت “الكرة المفشوشة” هي العنوان الأوضح لما جرى. والمقصود هنا، بالمعنى الشعبي الدارج، ذلك النوع من المباريات التي تغيب عنها المتعة والإيقاع والحماس، فتفقد طعمها وحرارتها كما لو أن الهواء تسرب من الكرة نفسها. هذا بالضبط ما شهده ديربي الأمس: غياب شبه تام للفرجة، وانعدام للجرأة التكتيكية، وكأن الفريقين يخشيان اللعب أكثر مما يرغبان في الفوز.
التمريرات البطيئة، التراجع الجماعي، والميل إلى الحلول الدفاعية كانت السمات الغالبة، حتى بدا الجمهور في لحظات كأنه يشاهد مباراة ودية لا ديربي العاصمة الاقتصادية. وبينما كانت المدرجات تشتعل صخبًا وضوءًا، ظل الميدان بارداً بلا روح، وكأن كل فريق ينتظر الآخر ليفعل شيئًا دون أن يبادر هو. تلك “الكرة المفشوشة” لم تكن فقط في الأداء، بل في غياب الشجاعة التكتيكية، وفي خوف المدربين من المغامرة، وكأنهما يفضلان الخروج بنقطة واحدة على المجازفة بثلاث. والنتيجة: ديربي بلا أهداف، بلا مفاجآت، وبلا متعة تليق بتاريخ هذه المواجهة التي كانت يومًا مرادفًا للإثارة.