في مشهد وطني يختزل قرونا من النضال والوفاء، أعادت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة تسليط الضوء على القضية الوطنية من زاوية قانونية وتاريخية، خلال الندوة الفكرية التي نظمتها يوم الثلاثاء 28 أكتوبر 2025، تحت عنوان "الصحراء: أرض المغرب"، والتي أطرها الأستاذ فيليب ليينار، المحامي والقاضي الشرفي والمفكر القانوني والسياسي البلجيكي المعروف.
وأطر هذا اللقاء العلمي الأستاذ "فيليب ليينار"، المحامي والقاضي الشرفي، والمفكر القانوني والسياسي المعروف، وصاحب أكثر من ثلاثين مؤلفاً ومساهمة فكرية في مجالات متعددة، وقد شكل مناسبة لطرح نقاش أكاديمي معمق حول القضية الوطنية من زاوية قانونية وسياسية، بمشاركة طلبة وباحثين وأساتذة جامعيين.
واستعرض الأستاذ "فيليب ليينار" خلال هذه الندوة التحليل التاريخي والقانوني لصحراء المغرب، مسلطًا الضوء على مسار الوحدة الترابية، جهود الملوك العلويين، الدور الدبلوماسي المستمر، وأهم الإنجازات التي عززت الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على صحرائه، ليؤكد أن الصحراء ليست مجرد أرض، بل قلب المملكة النابض ومصدر قوتها ووحدتها.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وأكد "ليينار" أن المغرب يعيش اليوم في حالة تطور مستمر تحت قيادة ملوكه المتعاقبين، وعلى رأسهم الملك الحالي جلالة الملك محمد السادس، وتتولى الأسرة العلوية حكم المغرب منذ القرن السابع عشر، وقد أسست عرشًا مستمرًا يقود البلاد في مسار تحول مذهل ومثمر. ولا يذكر أي مغربي عمل الملك دون أن يضيف الدعاء الخالص: «اللهم أعنه".
وأوضح "ليينار" أن الأوراش الملكية تتطور بإشعاعٍ لافت وتتسع بفضل الدعم السياسي والاقتصادي، لتعود بالنفع على البلاد بأكملها، وأن المشاريع ونتائجها عديدة، ناجحة ومثمرة، مما يجعل المغرب يسطع وينشر نوره وتأثيره الإيجابي في محيطه.
وأبرز المتحدث ذاته أن اسم المغرب اشتُقّ من مدينة مراكش، التي كانت عاصمةً لعدة سلالات حاكمة. وفي اللغة العربية يُسمّى البلد "المغرب"، أي بلاد الغروب أو بلاد الغرب، في إشارة إلى موقعه الجغرافي. إذ تأتي النور من الشرق كما هو معلوم، غير أن المغرب يطمح إلى أن يشعّ من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، وقد نجح في ذلك بالفعل. اذ يُعبّر المغرب عن طموحه في أن يُشِعّ من المشرق إلى المغرب، ومن الغرب إلى الشرق، وقد نجح في تحقيق ذلك الطموح. ومن وجوهٍ متعددة، أصبح المغرب دولة يُستشهد بها عالميًا في مجالات التقدم، والمرونة، والحكمة المتواصلة.
وقال "ليينار" إن المغرب بلد استقى منه الكاتب والطيار الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري إلهامه في سنة 1942 لكتابة "الأمير الصغير" (Le Petit Prince)، وهو كتاب محبوب ومعروف في نصفي الكرة الأرضية معًا، عند الكبار الواعين والأطفال. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية الفصحى وإلى اللهجة الحسانية، وهي لهجة يتحدث بها أهل الصحراء المغربية، تقديرًا للمؤلف واعترافًا بمكانة المغرب في ذاكرته. ويُعدّ هذا العمل الأدبي من أكثر الكتب ترجمة في العالم، إذ تُرجم إلى نحو 300 لغة مختلفة. ومن أشهر العبارات الواردة في هذا الكتاب، والتي تُعتبر ذات أهمية قصوى: "لا نرى جيدًا إلا بالقلب، فالجوهري غير مرئي للعين". ذلك الجوهر الذي احتضنه قلب المغرب، يرمز أيضًا إلى الصحراء المغربية، التي يتّحد شعبها مع وطنه الأم، المغرب.
وشدد "ليينار" على أن قضية الصحراء المغربية هي الملف السياسي والدبلوماسي الأول للمملكة، وتشهد الأطروحة المغربية تقدّمًا دوليًا ملحوظًا، وربما حاسمًا في الأمد القريب.
وإلى جانب ذلك يضيف "ليينار"، انه وبما لا ينفصل عن هذا البعد التاريخي والقانوني، فإن المغرب يواصل انخراطه الواسع على جميع المستويات، بصفته قوة إقليمية كبرى في إفريقيا والعالم العربي، وشريكًا غربيًا ذا مكانة مرموقة، سواء في مجالات الاقتصاد أو التجارة أو الدبلوماسية الهادئة.
وأشار المتحدث ذاته الى أن سنة 2025 تبدو سنة استثنائية، حيث يجني المغرب والملك الملهم محمد السادس ثمار عملٍ طويل وصبور وعميق. فكما يقول مثل مغربي شهير: "من أراد العسل فعليه أن يتحمل لسع النحل" وان سنة 2025 تمثل، في الواقع، تتويجًا دوليًا لروح المسيرة الخضراء التي انطلقت في 6 نونبر 1975، تلك المسيرة التي شهدت خروج 350 ألف مغربي ومغربية في مظاهرة سلمية تُجسد حبًّا وولاءً جماعيًا للصحراء المغربية، وذلك بمبادرة من جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، ردًّا على رفض محكمة العدل الدولية في لاهاي لطلب المغرب المتعلق بحقوقه التاريخية في أراضيه الجنوبية، من خلال الرأي الاستشاري الصادر يوم 16 أكتوبر 1975.
أما سنة 2025 وفقا لـ "ليينار"، فهي أيضًا سنة الاعتراف من طرف الأمم المتحدة، وبالتالي المجتمع الدولي، بـ الأطروحة المغربية المقدّمة سنة 2007، والتي تدعو إلى منح الصحراء المغربية حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية. وقد تم تمديد مهمة بعثة المينورسو (MINURSO) لفترة قصيرة، في حين انطلقت مفاوضات حاسمة بمشاركة القوى الكبرى، استنادًا إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره الخيار الواقعي والوحيد الموثوق به.
وتمثل سنة 2025 أيضًا تجديد اتفاقيات التبادل التجاري الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وذلك بتاريخ 2 أكتوبر 2025، وتتعلق هذه الاتفاقيات بـ المنتجات القادمة من الأقاليم الصحراوية المغربية، ضمن شروط تراعي الكرامة والمعايير القانونية، وذلك بموجب القرار الأوروبي رقم (UE 2025/2022)، الذي جاء على إثر المفاوضات التي فُتحت في شتنبر 2025 من طرف المفوضية الأوروبية بعد ترخيص من مجلس الاتحاد الأوروبي، وبالنظر إلى الحكم الصادر عن محكمة العدل الأوروبية (CJUE) بتاريخ 4 أكتوبر 2024، وهو حكم جرى تحييده عمليًا بفعل البراغماتية السياسية، رغم أنه لم يدخل بعد حيز التنفيذ.
"ليينار"، أكد أنه وفقًا لتصريح السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، السيد عمر هلال، فإن هذا القرار (قرار الاتحاد الأوروبي لسنة 2025) يُعدّ تأكيدًا جديدًا من أوروبا على أن المغرب يُمارس سيادته المشروعة على صحرائه، وأن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الأقاليم الجنوبية للمملكة بوصفها جزءًا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي. وأشار السفير إلى أن هذا الموقف يعكس انسجام الاتحاد الأوروبي مع الأمم المتحدة التي تعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الواقعي والقابل للتطبيق، وذلك في انسجام تام مع قرارات مجلس الأمن الأخيرة، التي أشادت بـ جدية ومصداقية المقترح المغربي.
كما أوضح يضيف "ليينار"، أن القرارات الأوروبية الجديدة جاءت نتيجة مشاورات معمقة مع السكان المحليين في العيون والداخلة والسمارة وبوجدور، الذين عبّروا عن انخراطهم القوي في مسلسل التنمية والديمقراطية المحلية التي أطلقتها المملكة منذ الخطاب الملكي التاريخي في نونبر 2015. وفي هذا السياق، لم يتوقف الملك محمد السادس، منذ توليه العرش سنة 1999، عن تأكيد أن الصحراء ليست فقط قضية وحدة ترابية، بل أيضًا رهان تنموي وإنساني شامل، تجسده النماذج الجديدة للتنمية المندمجة في الجهات الجنوبية، والتي تستند إلى استثمارات ضخمة، تُعبّر عن إرادة الدولة في تحقيق العدالة المجالية وتعزيز إشعاع المغرب الإفريقي والدولي.
وفيما يلي أهم ما جاء في كلمة الأستاذ "فيليب ليينار"، المحامي والقاضي الشرفي، والمفكر القانوني والسياسي المعروف، وصاحب أكثر من ثلاثين مؤلفاً ومساهمة فكرية في مجالات متعددة، في نقاشه الأكاديمي المعمق حول قضية الصحراء المغربية من زاوية قانونية وسياسية:
لقد ذكّر الملك محمد السادس أيضًا، في عدد من خطاباته، بأن قضية الصحراء المغربية هي مرآة لكرامة الأمة المغربية كلها، ومؤشر على قدرتها على الصمود في وجه التحديات، وعلى حكمة مقاربتها القائمة على السلم والتعاون بدل الصدام والمواجهة.
وأكد جلالته أن المغرب اختار طريق البناء والتنمية بدل الانقسام والنزاع، وأنه يؤمن بأن التكامل المغاربي هو المآل الطبيعي لشعوب المنطقة، التي تتطلع إلى مستقبل منفتح على الازدهار المشترك.
وشدد الملك على أن الخيارات الاستراتيجية للمملكة ترتكز على ثوابت راسخة: السيادة الوطنية، وحدة التراب، والانخراط الإيجابي في المنتظم الدولي. وفي هذا الإطار، فإن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 تُعتبر تعبيرًا متقدّمًا عن هذا التوجه الواقعي والمسؤول، لأنها تمنح لسكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية ضمن سيادة المغرب ووحدته الوطنية والترابية.
لقد حظيت هذه المبادرة المغربية بإشادة واسعة من قبل المجتمع الدولي، باعتبارها حلاً واقعياً وعملياً وقابلاً للتطبيق، يتوافق مع الشرعية الدولية ومع قرارات مجلس الأمن، ويفتح الباب أمام تسوية نهائية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. وقد اعتبرت العديد من الدول الكبرى من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، إسبانيا، وألمانيا أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الأساس الجاد والواقعي والموثوق للتوصل إلى حل سياسي دائم لهذا النزاع الإقليمي.
وفي المقابل، واصلت البوليساريو ومن يقف وراءها التشبث بخطاب متجاوز ومنفصل عن الواقع، قائم على الأوهام القديمة التي لم تعد تجد أي صدى في العالم المعاصر، حيث أصبحت المجتمعات الدولية ترفض منطق الانفصال، وتشجع الحلول القائمة على الوحدة الوطنية والاندماج الإقليمي. ومن الجدير بالذكر أن الجهود التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب في أقاليمه الجنوبية، خصوصاً من خلال النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، جعلت من هذه المناطق قطباً اقتصادياً صاعداً ومركزاً حيوياً للاستثمار والتعاون الإفريقي.
لقد أُطلِق هذا النموذج التنموي الجديد من طرف الملك محمد السادس سنة 2015، وهو يهدف إلى تحقيق نقلة نوعية في البنية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية، من خلال إحداث بنى تحتية متقدمة، وتشجيع الاستثمار، وتنمية الموارد البشرية المحلية. ويستند هذا النموذج إلى رؤية شمولية متكاملة، تقوم على الربط بين التنمية المحلية والوحدة الوطنية، وتسعى إلى تحويل الصحراء المغربية إلى جسر للتعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي. وقد شملت هذه المشاريع بناء موانئ كبرى، وشبكات طرق حديثة، ومناطق صناعية وتجارية، إضافة إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة، والتعليم، والصحة، بما يجعل من الأقاليم الجنوبية نموذجاً متقدماً للتنمية المستدامة في القارة الإفريقية.
وفي الوقت ذاته، تبنّت الدبلوماسية المغربية مقاربة استباقية ومتوازنة، تقوم على الدفاع عن الحقوق المشروعة للمغرب في الصحراء، مع الانخراط الإيجابي في الحوار والتعاون الدولي، من خلال آليات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، مع الحرص على الابتعاد عن منطق التصعيد أو الاستفزاز.
لقد مكّنت هذه الدبلوماسية الملكية الهادئة والحكيمة من تحقيق تحولات عميقة في موازين المواقف الدولية بشأن قضية الصحراء المغربية. ففي السنوات الأخيرة، شهد العالم افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية عامة لدول إفريقية وعربية وآسيوية في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يُعدّ اعترافًا عمليًا وواضحًا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. كما أسفرت هذه الجهود عن تحوّل نوعي في مواقف العديد من الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية، التي أصبحت تعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل الوحيد الجاد والواقعي لهذا النزاع.
وقد تجلى هذا التحول أيضًا في القرارات المتعاقبة لمجلس الأمن الدولي، التي تدعو بوضوح إلى حل سياسي واقعي ودائم قائم على التوافق، وتؤكد على الدور المحوري للمغرب في إرساء الاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي. وفي هذا السياق، يشكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020 منعطفًا تاريخيًا بالغ الأهمية، إذ أعاد تأكيد سيادة المملكة على كامل ترابها الوطني، وعزّز موقع المغرب كفاعل استراتيجي في الأمن الإقليمي والدولي.
وبذلك، استطاع المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، أن يجمع بين الشرعية التاريخية والسياسية والقانونية، وأن يبرهن على أن قضيته الوطنية ليست مجرد نزاع حدودي، بل قضية وجود وهوية وسيادة ووحدة وطنية.
وهكذا، فإن الصحراء ليست مجرد قضية ترابية أو نزاع حدودي كما يُروّج له بعض الخصوم، بل هي قضية هوية وذاكرة وتاريخ ووفاء للوطن. إنها رمز لوحدة المملكة المغربية في بعدها التاريخي والديني والحضاري، ودليل على استمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها الشرعية، منذ قيام أول السلالات الحاكمة وحتى العهد العلوي المجيد. لقد حافظ المغرب، عبر قرون، على تلاحم شعبه ووفاء مكوناته المختلفة للبيعة الشرعية التي تربط العرش بالشعب، وظلّ الولاء للملوك العلويين عنوانًا للشرعية السياسية والدينية والوطنية، وهو ما يمنح للقضية الصحراوية عمقًا روحيًا وتاريخيًا لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.
إن المسار الذي اختاره المغرب لحل هذا الملف هو مسار الحكمة والتعقّل والبناء، فالمملكة لم تلجأ يومًا إلى منطق القوة أو الإكراه، بل إلى منطق التعاون والتفاهم والانفتاح، وإلى مبدأ السيادة المسؤولة التي تراعي حقوق الإنسان والتنمية الشاملة وتحافظ على استقرار المنطقة بأسرها.
إن الحل الواقعي والعادل والمستدام، كما أكده جلالة الملك محمد السادس في خطبه السامية، هو تجسيد لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية الكاملة، وبإشراف مباشر من الدولة المغربية، مع ضمان مشاركة سكان الأقاليم الجنوبية في تدبير شؤونهم المحلية، وفي تطوير اقتصادهم وثقافتهم وحياتهم اليومية.ويُنتظر أن تشهد السنوات المقبلة إتمام هذا المسار التاريخي، الذي سيُكرّس بشكل نهائي مغربية الصحراء باعتراف المجتمع الدولي، ويُبرز ريادة المغرب كنموذج إفريقي وعربي في حل النزاعات بالوسائل السلمية وفي ترسيخ مبدأ التنمية بدل الانقسام.
إن تاريخ المغرب الحديث والمعاصر يبرهن على أن كل المراحل الكبرى التي مر بها هذا الوطن العزيز كانت تؤدي دومًا إلى تعزيز وحدته الوطنية واستقلال قراره السيادي. واليوم، يقف المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، في موقع متقدّم بين الأمم، بفضل ديبلوماسيته الهادئة، ورؤيته المتبصّرة، وإيمانه العميق بعدالة قضيته. فالصحراء، كما كانت دائمًا، هي قلب المغرب النابض، وروحه المتجذّرة، وستظلّ إلى الأبد صحراءً مغربية.