سوق الشغل.. فرص واعدة في ظل صعوبات بنيوية

سعد داليا الاثنين 29 سبتمبر 2025
No Image

كشفت دراسة أعدها المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة أن سوق الشغل المغربي يمر بمرحلة محرجة تجمع بين فرص واعدة ومخاطر بنيوية، وذلك رغم وجود نجاحات قطاعية اقتصادية من قبيل صناعة السيارات وبروز ديناميكية ترتبط بالاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.

كما وقفت هذه الدراسة على بروز هشاشة مقلقة في ظل نموذج النمو الحالي، حيث يرتهن بشكل خطير على تقلبات السوق الأوروبية، كما أن جزءا كبيرا من فرص العمل يتم خلقها بقطاعات كالبناء والسياحة والخدمات هي بطبيعتها ظرفية ومؤقتة.

الخبير الاقتصادي ورئيس المركز رشيد الساري أشار إلى أن هذا التقرير الذي حمل عنوان «سوق الشغل المغربي على مفترق طرق: بين هشاشة الحاضر وفرص الغد»، وقف في دراسته لسوق الشغل على عمق التحديات، منطلقا من مؤشرات رئيسية في تشخيص الوضع الراهن لسوق الشغل المغربي. هذا الأخير، حسب المتحدث ذاته، عرف بطالة هيكلية وصل معدلها الوطني منذ مطلع سنة 2025 إلى % 12،8 وهو ما يخفي وراءه فجوات أعمق ووجود صعوبات بنيوية في إدماج فئة الشباب والنساء.

كما أنه رغم إحداث فرص عمل جديدة، إلا أن ذلك تزامن مع بروز ظاهرة «الشغل الناقص»، أي العمل الجزئي غير المرغوب فيه أو البطالة المقنعة، الذي يشمل 1.25 مليون شخص وهيمنة القطاع غير المهيكل على ما يقارب ثلثي العمالة وغياب الحماية الاجتماعية والعمل اللائق لملايين المغاربة، حسب المركز، معتبرا أن الأمر لا يقف عند أرقام إحصائية، بقدر ما يمثل انعكاسا لنموذج اقتصادي لم ينجح بعد في تحقيق إقلاع حقيقي يوفر فرصا كافية وذات جودة لجميع المواطنين.

هذه الصورة تزداد قتامة، يقول التقرير، داقا ناقوس الخطر على مستوى هشاشة النموذج الاقتصادي بسبب الاعتماد على الأسواق الخارجية.

هذا الوضع يستدعي اليوم، حسب المركز، التوقف عند المخاطر الماثلة أمام الوضع الاقتصادي وسوق الشغل، والتي باتت تهدد استقرار سوق الشغل في المدى القصير والمتوسط، مضيفا أن «قصص النجاح» الحالية تحمل في طياتها بذور أزمتها المستقبلية.

في هذا الإطار، ساق التقرير قطاع صناعة السيارات، مضيفا أن هذا الأخير مثل قصة النجاح الأبرز في العقد الأخير، وبات المغرب أكبر ممون للاتحاد الأوروبي بالسيارات، فضلا عن توفير العديد من فرص الشغل، إلا أن هذا النجاح، يلفت التقرير، يعتمد بأزيد من 80 في المائة على الطلب الفرنسي والإسباني.

هذا التطور يجعل قطاع صناعة السيارات أمام ثلاثة مخاطر رئيسية، تتمثل في سياسات "إعادة التصنيع" الأوروبية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد نحو دعم الإنتاج المحلي وحماية أسواقها خصوصا بقطاعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية.

يأتي ذلك في الوقت الذي بات التحول نحو السيارات الكهربائية، حسب التقرير، يتطلب استثمارات ضخمة وسلاسل توريد جديدة، لم يتمكن معها المغرب من التموقع بسرعة في صناعة البطاريات والمكونات الإلكترونية، مما قد يفقد القطاع ميزته التنافسية.

أما الخطر الثالث، فيتعلق بضريبة الكربون الأوروبية (CBAM) إذ إن من شأن تطبيقها أن يقلص تنافسية الصادرات المغربية إذا لم يتم تسريع وتيرة إزالة الكربون من الصناعة المحلية.

لمواجهة ذلك، صاغ التقرير بعض التوصيات كإستراتيجية تبني المناعة والمستقبل ومواجهة الهشاشة الحالية والتحديات المستقبلية.

خارطة الطريق، التي يقترحها التقرير، تجمع بين الإجراءات العاجلة لبناء المناعة والرؤية طويلة الأمد لصناعة المستقبل.

يتعلق الأمر، حسب التقرير، بإطلاق "خطة استباقية لما بعد 2030" بتشكيل لجنة وطنية تضم القطاع العام والخاص والخبراء تضع استراتيجية واضحة لتحويل واستيعاب العمالة في قطاعي البناء والسياحة بعد انتهاء ذروة أشغال كأس العالم، مع التركيز على مشاريع البنية التحتية الخضراء وصيانة المدن، وتنويع الأسواق بشكل عاجل.

إطلاق دبلوماسية اقتصادية مكثفة لتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة وتخفيف الاعتماد على السوق الأوروبية، مع التركيز على إفريقيا والشرق الأوسط والأمريكتين، وإنشاء "صندوق تحويل قطاع الخدمات".

بهذا الخصوص دعا المركز إلى تخصيص ميزانية من الدولة والشركات المعنية لإعادة تأهيل عمال مراكز الاتصال المهددين، وتوجيههم نحو خدمات رقمية ذات قيمة مضافة أعلى، من قبيل تحليل بيانات، والأمن سيبراني.

وعلى المدى المتوسط (4-10 سنوات) المرتبط بالإصلاح الهيكلي والتكيف العميق دعا المركز إلى إصلاح شامل لقانون الشغل من خلال تصميم قانون جديد يعترف بتعدد أشكال العمل ويوفر "حقوقا اجتماعية متنقلة" تتبع العامل أينما ذهب بدلا من أن تكون مرتبطة بالوظيفة، وتحقيق ثورة في التكوين المهني والتعليم بإعادة هيكلة التكوين المهني ليرتبط بشكل وثيق بحاجيات الصناعة الخضراء والرقمية، وتعميم تدريس المهارات الرقمية والتفكير النقدي في جميع مراحل التعليم، إلى جانب دعم التصنيع المحلي للمكونات الاستراتيجية بوضع خطة وطنية مدعومة بحوافز قوية لتوطين صناعة مكونات السيارات الكهربائية (البطاريات، الإلكترونيات) لضمان بقاء القطاع تنافسيا.

على المدى الطويل (أكثر من 10 سنوات)، تشدد توصيات المركز على صناعة نموذج مجتمعي جديد، يرتكز على تجريب نماذج الدخل الأساسي الموجه كإطلاق مشاريع رائدة للدخل موجهة لفئات معينة من قبيل الشباب، والمشتغلين في قطاعات متأثرة بالأتمتة) لتقييم جدواها كأداة للمستقبل.