في بوحه الأخير، رسم أبو وائل الريفي معالم التباين الكبرى بين المشهدين السياسيين في المغرب وفرنسا، انطلاقا من الأحداث الأخيرة التي عرفتها باريس، ومسلطا الضوء على تداعياتها مقارنه بالوضع السياسي الوطني. و يرى الكاتب أبو وائل الريفي أن فرنسا تعيش اليوم وضعاً غير مسبوق يهدد الجمهورية الخامسة، بينما يراكم المغرب خطوات نوعية نحو بناء نموذج سيادي خاص به.
و بحسب أبو وائل الريفي، فإن ما وقع في الجمعية الوطنية من حجب الثقة عن حكومة مخضرمة لم يكن سوى تجلياً لأزمة أعمق في النظام السياسي الفرنسي. فالمشهد الحزبي أصيب بالعقم، والتقابلات الثنائية التي اعتاد عليها الفرنسيون انهارت، ما أفسح المجال لخطابات شعبوية تُرجع مشاكل الدولة إما إلى الهجرة أو إلى مقاربات سطحية تتجاهل جذور الأزمة البنيوية. ويضيف أن المديونية الفرنسية بلغت 3.3 تريليونات يورو، فيما يعيش التعليم تراجعاً خطيراً، وتفكك النموذج الاجتماعي التاريخي تحت ضغط الشيخوخة والخلل الديمغرافي.
ويشير أبو وائل الريفي إلى أن صحافيين ومحللين مثل آلان دوهامل وفرانسوا بايرو أكدوا أن فرنسا تواجه "أزمة نظام وأزمة مجتمع" متزامنة، أخطر حتى من أزمة 1958 التي أنهت الجمهورية الرابعة. لذلك يرى أن الحديث عن "جمهورية سادسة" لم يعد ترفاً فكرياً بل ضرورة سياسية لتجاوز وضع "الرجل المريض" الذي صارت عليه فرنسا.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في مقابل هذا التراجع، يسجل أبو وائل الريفي أن المغرب استوعب مبكراً هذه التحولات ولم يقع في أسر النموذج الفرنسي. فالملك محمد السادس شدد في مناسبات عدة على بلورة "نموذج مغربي – مغربي"، سواء في ورش الجهوية المتقدمة أو في صياغة دستور 2011 الذي أرسى توازناً مؤسساتياً خاصاً، مؤكدا أن هذه الرؤية انعكست في مشاريع كبرى مثل القطار فائق السرعة الذي أصبح رمزاً للنجاح بعد حملة تشكيك واسعة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي غيّرت واقع فئات هشة، إضافة إلى مشروع التغطية الصحية والدعم الاجتماعي الذي يؤسس لعدالة مجالية غير مسبوقة.
و يوضح أبو وائل الريفي أن المغرب، رغم فترات التوتر مع باريس، ظل وفياً لشراكاته والتزاماته. فقد ساهم بشكل وازن في التعاون الأمني والاستخباراتي، بما في ذلك تأمين أولمبياد باريس 2024 بشهادة رسمية من المديرة العامة للأمن الداخلي الفرنسي. ومع ذلك، ظل المغرب حازماً في الدفاع عن سيادته، سواء في رفضه للمقاربة الاستعلائية الفرنسية خلال زلزال الحوز، أو في ملف الصحراء المغربية حيث لم يعد يقبل التردد الفرنسي، إلى أن اضطرت باريس للاعتراف عملياً بمغربية الصحراء تحت ضغط الحقائق الجيوسياسية.
ويستخلص أبو وائل الريفي أن المغرب ربح رهانه حين وسّع شراكاته نحو الشرق والغرب، مستفيداً من تجارب ناجحة دون استنساخها، وصاغ نموذجاً خاصاً يرتكز على الرأسمال البشري وحكامة تدبير الندرة، مشيرا إلى أن مشاريع البنيات التحتية، الملاعب الرياضية العالمية، واستضافة تظاهرات كبرى مثل "كان 2025" و"مونديال 2030" كلها شواهد على مسار صاعد يعزز ثقة المغاربة في دولتهم.
وفي ختام "بوح الأحد"، ينبه أبو وائل الريفي الأحزاب والنخب السياسية المغربية إلى أن زمن الاختباء وراء الملك قد انتهى، وأن المرحلة المقبلة تتطلب برامج ورؤى إبداعية، مستوعبة لدرس فرنسا التي فقدت بريق نموذجها، ومؤمنة بأن المغرب قادر على صنع مستقبله بقراراته السيادية.