حنان رحاب تكتب: الصحافة والأحزاب.. نقطة نظام على هامش المذكرات الانتخابية

رحاب حنان الأربعاء 10 سبتمبر 2025
9899646
9899646

          رغم أن الحقل الحزبي مختلف عن الحقل الإعلامي ماهية وأدوارا، إلا أنه ثمة تقاطعات تجمع بين الحقل، فكلاهما يفترض أنه يقوم بأدوار لصالح المجتمع، لجهة التمثيل والدفاع عن مصالحه، وإسماع صوته، والمساهمة في إثراء النقاش العمومي داخله. 

 والصحافي عموما يحتاج للسياسي، حاجة هذا الأخير كذلك له، فالسياسي هو مصدر للخبر والتحليل والتعليق بالنسبة للصحافي، وهذا الأخير هو منفذه لوصول مقترحاته ومواقفه وأنشطته إلى الرأي العام.

               ورغم العلاقات التي قد تتسم أحيانا بالتوتر بينهما، بسبب ميل الصحافي عادة إلى توسيع هامش الحرية، وركون السياسي عادة إلى التحفظ، فإن حاجة الواحد للآخر لا تنتفي.

إن مناسبة التذكير بهذا البديهيات تكمن في النقاش الدائر اليوم حول القوانين الانتخابية التي ستؤطر المحطة الانتخابية التشريعية المقبلة.

        لقد آثر الملك في خطاب العرش الأخير أن يجعل النقاش العمومي حول هذه المحطة مفتوحا أمام كافة المواطنين والمواطنات، حين دعا إلى وضع القوانين الانتخابية والمصادقة عليها قبل نهاية السنة الحالية، مما يعني أنها ستكون على جدول أعمال غرفتي البرلمان عند افتتاح الدورة الخريفية في أكتوبر المقبل، وستستأثر باهتمام الرأي العام إلى جانب المناقشات حول مشروع قانون المالية.

           وقد شدد الملك في خطابة على مباشرة وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية حول هذا الموضوع، مما يعني أن إيراد ذلك في خطاب الملك الموجه نحو الأمة، هو إخراج له من نسق المفاوضات البينية بين وزارة الداخلية والأحزاب السياسية، إلى فضاء النقاش والرقابة والشعبية المفتوحة.

    وقد سارعت وزارة الداخلية إلى الاجتماع بالأحزاب السياسية المعنية بالمشاركة الانتخابية، وهو الاجتماع الذي أسفر عن تحديد المحاور الرئيسة المعنية بالتحيين والتعديلات، وإلى جعل آخر الشهر الماضي (غشت) سقفا لاستكمال الأحزاب صياغة مذكراتها التي تتضمن تعديلاتها المقترحة. 

    وإلى حدود اليوم، وباحتساب الأحزاب الممثلة في البرلمان فقط، فإن خمسة منها فقط من بادرت إلى الكشف عن مذكراتها، ومد الإعلام بها، وفتح نقاش حولها عبر ندوات صحافية. 

        وهذه الاحزاب هي (حزب التقدم والاشتراكية، حزب العدالة والتنمية، فيديرالية اليسار الديموقراطي، الحزب الاشتراكي الموحد، جبهة القوى الديموقراطية )، كلها للمفارقة لا تحتل المراتب الست الأولى من حيث المقاعد البرلمانية، في الوقت الذي اكتفت الأحزاب الأخرى إما بتسريب بعض المعطيات عبر علاقات بين قياديين وصحافيين ، أو بالتكتم الشديد، ورفض الكشف عن مذكراتها، بل إن بعض الأخبار تروج حول عدم تمكين حتى أعضاء المكاتب السياسية من نسخ هذه المذكرات.

  إن اعتماد منهجية التكتم هذه، سيغذي الشائعات حول المقترحات الحزبية من جهة، ومن جهة أخرى فإن مشروع التعديلات التي ستقدمها وزارة الداخلية في المجلس الحكومي، قبل عرضها على البرلمان للمصادقة، لن يعرف الرأي العام من هي الأحزاب التي تمت الموافقة على تعديلاتها، ومن التي تم استبعاد مقترحاتها (باستثناء الأربعة المذكورة آنفا).

  والأكثر كم ذلك، فإن هذا التكتم سيحرم الرأي العام من المفاضلة بين الأحزاب بناء على اقتراحاتها، والمقارنة بين الأحزاب التي قدمت مقترحات تدعم الدمقرطة والتمثيلية الحقيقية وتجيب عن الاختلالات التي أفضت إلى تلوث المؤسسات المنتخبة بشبهات الفساد، والأحزاب التي آثرت تقديم مقترحات تحافظ على النسق الانتخابي الحالي الذي يخدم مصالحها، أو مصالح الأعيان المتنفذين داخلها.

  لقد وجد الصحافيون، وخصوصا المتخصصيين في متابعة الشؤون الحزبية والبرلمانية أنفسهم أمام صحراء جرداء، وهو الأمر الذي أدى إلى عدم اكتراث الرأي العام بهذه المحطة الاستشارية الهامة، التي كان من شأن انفتاح الأحزاب على الإعلام أن تؤدي إلى نقاش عمومي قد يسهم حتى في رفع نسبة المشاركة في الانتخابات القادمة.

  ومما يلفت النظر أن العديد من الأحزاب لم تفتح حتى نقاشات داخلية حول هذه المذكرات، حتى على مستوى الهياكل القيادية، بحيث لجأ قادة حزبيون إلى انتقاء حلقة ضيقة من أفراد معدودين على رؤوس الأصابع لصياغة المذكرة، دون حتى عرضها على النقاش الداخلي، فيما اعتمد آخرون على خدمات خبراء أو مكاتب دراسات من خارج الحزب للقيام بمهمة الصياغة بعد تحديد التعديلات الأساس.

  وهو الأمر الذي يطرح إشكالات حول التأطير والتكوين والديموقراطية الداخلية. مما يسائل حقيقة قيام الأحزاب الكبرى بمهامها المحددة دستوريا.

 وعود على بدء، فما يجب أن يستوعبه الحزبي أن الصحافي ليس مجرد ناقل لما يريده هذا الحزبي، بل إن مسؤوليته الأكبر هي تجاه الرأي العام، ولكن للأسف، ففي الوقت الذي من المفترض أن تدافع هذه الأحزاب على توسيع مجالات الحق في المعلومة، تضمن وتشح هي بالمعلومة، وهي ما يعكس تصورا تقليدانيا للممارسة الحزبية، إذ في لاوعيهم أن السياسة هي مجال المفاوضات بين الحزب والسلطة فقط، في حين أن السياسة هي مجال عمومي بامتياز، بل إن كلمة سياسة في ترجمة للبوليتيكس عند الإغريق، والتي كانت تعني المدينة وتمارس في الأغورا، أي في الفضاء العمومي.