قراءة مغربية في جدل الصحافة الفرنسية والتحولات الجيوسياسية
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
توطئة: حين تزلّ الكلمة عن جادّة المهنية
لم يكن صدور ملف جريدة لوموند في أواخر غشت 2025، تحت عنوان «لغز محمد السادس»، حدثاً صحفياً عابراً. بل كان بمثابة شرارة أشعلت جدلاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، لِما تضمنته مقالاته من إيحاءات بنهاية العهد وادعاءات حول صحة الملك، بل ومحاولات تشكيك في متانة المؤسسات السيادية.
ورغم أن النقد حقّ مشروع في كل صحافة جادة، إلا أنّ الانزلاق إلى التهويل والتأويل المتعجِّل يجرّد الكلمة من مصداقيتها، محوِّلا إياها من رسالة تنوير إلى أداة تشويش.
1. من انكماش باريس إلى اندفاع الرباط
هي فرنسا، تلك التي كانت ترى في الساحل الإفريقي امتداداً طبيعياً لنفوذها، وجدت نفسها خلال 2023–2024 مجبرة على طي صفحة وجودها العسكري في مالي والنيجر وبوركينا. انسحبت القوافل الأخيرة لجنودها، تاركة وراءها فراغاً أمنياً وسياسياً.
في المقابل، كانت الرباط تنسج خيوط حضور جديد: عودة إلى الاتحاد الإفريقي (2017)، إطلاق "المبادرة الأطلسية" (2023)، توقيع دول الساحل على دعمها (2025)، ومشروعات استراتيجية كأنبوب الغاز مع نيجيريا وميناء الداخلة الأطلسي.
إنها صورة مقلوبة للمشهد: فرنسا تتقهقر، والمغرب يندفع إلى الأمام. لكن بدلاً من قراءة هذا التحول كإعادة تشكيل موازين، اختارت بعض الأقلام الفرنسية أن ترسمه كعلامة "أفول".
2. الجزائر: خصم يراكم الخسارات
على الضفة الأخرى من الأطلسي، كانت الجزائر، تلك التي ما فتئت تفقد تدريجياً أوراقها. مشروع الأنبوب العابر للصحراء الذي أرادت به منافسة المغرب انتهى إلى طريق مسدود بعد انسحاب النيجر. محاولتها قطع الغاز عن المغرب لم تُفضِ إلا إلى الغرق في مزيد من العزلة، حيث إن المغرب سرعان ما وجد بدائل للطاقة، بل وفتح أمامه آفاق تعاون أطلسي أوسع.
وفوق هذا، ازدادت مكانة الجزائر الدبلوماسية تراجعا وتقهقرا مع انحياز قوى دولية كبرى (فرنسا والولايات المتحدة فبريطانيا) إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي. فحتى دول الساحل التي كانت أقرب إلى الجزائر، بدأت تلتفت إلى الرباط، باعتبارها شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً أكثر موثوقية.
هكذا يصبح مفهوماً أن تُجيِّش الجزائر أدواتها الإعلامية، بل وحتى بعض الأقلام في فرنسا، لمحاولة كبح اندفاع المغرب. لكن ذلك الجهد في تراكمه وتداعياته إنما يزداد عبثية كلما تراكمت نتائجه المخيبة لآمال النظام الجزائري.
3. الاقتصاد لغة النفوذ الجديد
في عالم السياسة، من لا يملك لغة الاقتصاد يبقى صوته خافتاً لا يأبه له. والمغرب اليوم يُجيد هذه اللغة. أنبوب الغاز النيجيري - المغربي ليس مجرد مشروع طاقة، بل إنه خريطة جديدة تربط إفريقيا بغازها وبأسواق أوروبا عبر أطلسي المغرب. وميناء الداخلة ليس مجرد منشأة بحرية، بل بوابة انعتاق لإفريقيا الحبيسة نحو المحيط.
حتى في المجال المالي، انضم المغرب إلى نظام المدفوعات الإفريقي (PAPSS) سنة 2025، فاتحاً الباب أمام تسويات بالدرهم، كخطوة عملية لفك الارتباط بالهيمنة النقدية الخارجية.
هنا بالذات ينبغي للصحافة أن تلتقط روح المرحلة: ليست هناك "نهاية عهد"، بل بداية هندسة نفوذ أطلسي جديد.
4. الصحافة بين النقد والابتزاز
ليس خافياً أن المغرب تعرض في الماضي لمحاولات ابتزاز من بعض الصحافيين الفرنسيين، أشهرها قضية 2015 التي انتهت سنة 2023 بإدانة الصحافيين المتورطين. لكن ينبغي أن نذكر بأنها كانت حالات أو محاولات فردية، لا يصح أن تُعمَّم على مؤسسة صحفية عريقة مثل لوموند.
غير أن السقوط في عناوين مثيرة من قبيل "نهاية العهد" دون سند موثق وموثوق، يُدخل الصحيفة في دائرة الشبهة، ويفقدها بريقها كمؤسسة رصينة. هنا، يكمن الخطر: حين تتحول الصحافة من مرآةٍ للواقع إلى شاشةٍ للظلال.
5. العلاقات المغربية–الفرنسية: جذور لا تنكسر
رغم كل ما يعتريها من توتر ومد وجزر، تبقى العلاقات المغربية - الفرنسية عصية على القطيعة. فالتاريخ مشترك والمصالح متشابكة والثقافة متداخلة. ولا أدل على ذلك من زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، حيث وُقّعت وثيقة "الشراكة الاستثنائية المعززة"، في رسالة واضحة أن باريس والرباط، مهما اختلفتا، تلتقيان دائماً عند المصالح الكبرى.
إنها حقيقة ينبغي أن يستحضرها كل قلم قبل أن يكتب: العلاقات بين البلدين أعمق من أن تختزل في مقالات صيفية مثيرة.
عود على بدء: دعوة إلى قراءة رصينة
إنّ الصحافة مسؤولة بقدر ما هي حرة. والمطلوب من المنابر الدولية، وفي مقدمتها لوموند، أن ترتقي إلى مستوى المهنية التي صنعت مجدها، وألا تستسلم لسطحية التأويلات أو إغراء العناوين الصادمة.
أما المغرب، فواجبه أن يواصل ترسيخ إنجازاته، وتغذية إعلام وطني ودولي قادر على عرض الحقائق بلغة الحق والحجة.
وبين هذا وذاك، يظل الدرس واضحاً: ليست هناك "نهاية عهد" كما توهمت بعض الأقلام، بل هناك بداية مرحلة أطلسية، يُعيد المغرب فيها صياغة موقعه، لا على الهامش، بل في قلب الخريطة الدولية.