إنه حقا العالم بالمقلوب. عالم الورق هذا، الذي لطالما احترمناه، حتى لما كنا نختلف في التقدير مع كتابه وناشريه. نتابع صناعاته واحتفالياته في عالم الكتاب والنشر. ونقرأ بنهم أجود رواياته… نسرع راجلين لدى "الروبيو"، لاقتناء آخر عدد من صحف " خالتي فرنسا" المحترمة. والتي اعتبرناها لعقود نموذجا في التثقيف والنقاش العمومي. ومهما كانت قاسية في الانتقاد، لشعب ودولة خبرتهما جيدا صديقتنا فرنسا، بحكم الحماية ذات زمن والعلاقات الديبلوماسية؛ لم نظن أن الأمر عند صحافة، وإن لبست جبة الإحترام، صارت أقرب إلى صفرة باهتة، سيكون بهذا القدر من التجني والبهتان، في حق المملكة المغربية والمؤسسة الملكية بالبلد. وأنه صار بإمكاننا القول، إنه حقا العالم بالمقلوب.
ولكل في عالم مابعد الحداثة هذا والبلادة المصنعة، تراهاته. فهذه سنة الحياة! لكن ترهات صحيفة "لوموند" ذهبت هذه المرة أبعد من الإخلال بالاحترام الواجب لشعب ورئيس دولة. أتحدث عن الشعب أولاً، لأن الصحفيين وكتاب الرأي داخل تلك الرقعة الجغرافية وفي تحرير تلك الجريدة، يعلمون أنه حينما "ضيقوا الأرض على عاهلنا رفعنا له عرشا في القمر" بالإذن من الشاعر". لذلك، فليعلم مقترفو مقال "لوموند" في حر غشت الماضي، وهم يحاولون تصوير المملكة المغربية الشريفة على فوهة بركان وأن العباد والبلاد على صحيف ساخن، لا أمل فيه ولا مستقبل، أنه يكفيهم وهم يتجولون بسياراتهم الفارهة التي تثير الغثيان برائحة الأموال العصية على الغسل والأفكار المتحجرة، الغير قابلة لإعادة التدوير، يكفيهم وهم يخرجون من المطار أن يمروا بالطريق السيار، ليروا جودته وفعالية الورش الكبير، تحت سماء مفتوحة على الديموقراطية والمواطنة، الذي يسهر عليه بشكل شخصي عاهل البلاد، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والذي اختار منذ بداية حكمه المجيد أطال الله عمره، أن يكون عرشه على صهوة جواده وهو يقطع القرى والدشور والمدن الكبرى منها والصغرى والبحر كما الصحراء، ليوقع على تنمية حقيقية ومستدامة وليكون البشر في صلب السياسات العمومية… ألم تروا حجم المباني والمراكز التجارية والأبراج؟! ألم تروا التقدم في الحكامة وفصل السلط؟ ألم تروا حرية المبادرة والاستثمار، تماما كما حرية التعبير والرأي! طبعا حينما يكون الرأي مسؤولا وجادا وليس فقط استعراضا للعضلات، دون حجاج وزرعا للقلاقل في وادي مؤمّن، حتى أن الإغريق أسموها بلاد الشمس وقالوا إن تمت " سحر إفريقي" في لقاء البرزخين، يجعل عصيا عليهم محاولة دخولها وحكمها. ففضلوا أن يصدّروا لها العلم وفن العيش. كذلك الأتراك، في عز إمبراطوريتهم العظمى، لم يتمكنوا من غزو أرض الله هذه ( أن نمور نواكوش)… إنه المغرب يا سادة، المملكة الشريفة.
كيف لم تسمعوا وتقرؤوا بإمعان حتى خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام البرلمان المغربي، في زيارة دولة عادت بموجبها العلاقات الأخوية بين الجمهورية الفرنسية والمملكة المغربية في أكتوبر 2024، عشية ذكرى المسيرة الخضراء الغالية. وهو يتحدث عن كتابة فصل جديد من تاريخ هذه العلاقات، مبني على الثقة المتبادلة. ومفهوم الثقة هنا حسب نص خطاب السيد رئيس الجمهورية الفرنسية، تنبني على الندية في التعاون رابح رابح وخارج أي منطق للوصاية، الذي ظل يطبع تعامل فرنسا المتعالي اتجاه محمياتها ومستعمراتها.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في تحديث جلالة الملك محمد السادس لمقاليد الحكم في المغرب، ودون تكسير تام لثوابت الطقوس المخزنية المرعية والبرتوكول المتعارف، لم تعد صحة الملك وعدد من المعلومات التي تكاد تكون خاصة بأعلى سلطة في البلاد وبالأسرة الملكية الشريفة، تتعرض للكتمان الشديد. والمغاربة في كل جملة يذكرون فيها عاهلهم، تجدهم يدعون له من القلب بالشفاء، فمنذ كان في بداية حكمه، عاهلا شابا، رسخ لديهم صورة الإنسان إلى جنب الملك الهمام، وهو تماما كما كان والده طيب الله ثراه الملك الحسن الثاني وجده الملك المجاهد محمد الخامس، أبا للأمة جمعاء، وهكذا سيكون الأمر مع ولي العهد، بعد عمر مديد وحكم سديد، أطال الله في عمر سيدنا ونصره الله. هذا ما تسميه القوانين والأعراف الدستورية التي تعرفها بلاد الحرية والأخوة والمساواة حق معرفة: استمرارية الدولة.
لكن لماذا تصور جريدة "لوموند" المبهورة دوما وأبدا، بالحكايات الشرقية وقصص العطور اللازوردي منها والقزحي وبأسوار القصور وزرابي البلاطات و أفرشة الحريم المخملية...؛ لماذا تصور المغرب على أنه "رجل مريض"، كما قيل ذات زمن عن الإمبراطورية العثمانية وأن الحكم في البلاد في نهايته؟ لابد أن هناك غاية مبيتة في مقال هاذين الكاتبين! هل يخاف من وراء هذا الورق البردي المنمق، من مملكة تتقوى ديبلوماسيا واقتصاديا؛ وصارت المطالب الاجتماعية لمواطنيها تتحقق رويدا رويدا، نحو المزيد من العدالة الاجتماعية والجمالية؟ الملك المثابر ذو البصيرة الثاقبة والرؤية الاستشرافية الرشيدة وولي عهده الذي لم يعد أميرا يافعا نرى فيه ملامح المستقبل وإنما رجلا اشتد ساعده، يقف إلى جنبه والده، ملكنا الهمام، حفظهما الله، ومعهما الأمير الجليل مولاي رشيد والأسرة الملكية الشريفة، ووراءهم سائر الشعب المغربي، في خطى ثابتة نحو التقدم والتنمية والنماء… هذا يا معشر الكتبة الإفرنجة، هو الوجه الحقيقي والمشرق، للمملكة المغربية، الذي لا ترغبون في الإطلاع عليه حين يطفح سكركم، بمدام من الرياء، مدفوع أجره سلفا!!!
عودوا إلى صوابكم، فالتحوّل الجاري اليوم في المغرب، لا يتعلّق بضعف، بل بتجديد: انتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي، من مركزية مفرطة إلى جهوية متقدمة، ومن رهانات داخلية إلى حضور قاري ودولي متزايد. الحديث عن «نهاية» ليس سوى تجاهل لبداية أشمل… ونحن نعلم أن جزء من هكذا صحافة فرنسية، مصاب منذ زمن بهوس النهايات. فمنذ سنوات، درجت بعض وسائل الإعلام الفرنسية على كتابة «نهايات» وهمية: نهاية الأنظمة، نهاية الزعامات، نهاية العهود… لكنّها لم تفلح إلا في تكريس صورة ذهنية متعالية، ترى المغرب بعيون باريسية، أكثر مما تراه من أرضه. إنها مقاربة تختزل بلداً بكامله في «تأويل» غير بريء يسيء التقدير.
وبينما تصر صحيفة "لوموند" على رواية «الجمود»، يعيش المغرب ديناميكية واضحة:
· مواصلة برنامج الحماية الاجتماعية، الأشمل في تاريخ البلاد.
· تسارع الاستثمار في الطاقات المتجددة (الهيدروجين الأخضر، الطاقة الشمسية).
· تعزيز الحضور الدبلوماسي الإفريقي والدولي.
· إطلاق ورش إعادة إعمار المناطق المنكوبة بالزلزال.
· تأهيل مجالات التعليم والكفاءات والصحة
· الحرص على العدالة المجالية وفصل السلط والحكامة الجيدة، وتقوية اللامركزية واللاتركيز، نحو جهوية موسعة.
· تعزيز روح المواطنة وتدعيم المبادرات الفردية والحرة، نحو تنمية بشرية شاملة ومستديمة.
فأين كل ذلك في مقال" لوموند"؟ غائب تماماً، لأنّ التركيز ليس على البناء بل على التشكيك ومحاولة تشويه الصورة وطمس الحقيقة الواضحة في النهار جهارا. فعلى "لوموند" أن تعتذر لمملكة وشعب تعرضا منها للإساءة والبهتان. وأن تعتذر لسائر قرائها عن خروج خطها التحريري عن الجدية والموضوعية والحياد في تناول المواضيع...
(*) إعلامي وكاتب