مقال لوموند ومتطلبات تعزيز الجبهة الداخلية

عبد الرحمن العمراني الجمعة 29 أغسطس 2025
No Image


وانا اتابع كغيري من المتتبعين ردود الافعال التي اثارها مقال صحيفة لوموند الفرنسية ،وفي هذه الردود ،الرصين المتزن، والصاخب المتوتر ، المبدءي بصدق ،والباحث عن الإثارة- عادت بي الذاكرة الى فترة من زمننا السياسي القريب نسبيا ،اشتد فيها الضغط من قبل خصوم الوحدة الترابية .

كانت بلادنا خلالها تتهيأ للقيام بحملة سياسية ديبلوماسية إعلامية كبيرة في كبريات العواصم العالمية ،الغربية وغير الغربية ،للدفاع عن الوحدة الترابية وتوضيح الحقاءق التاريخية حولها ،و التوجه مباشرة الى الراي العام والمنابر الاعلامية داخل الاقطار التي تمت برمجة زيارتها ،بعد إنهاء الاتصالات الرسمية داخلها .

كانت فترة انطلاق ما اصطلحنا على تسميته وقتها بمسلسل الانتقال الديموقراطي ،انفتاح سياسي قطع مع سنوات من الانغلاقية والتأزيم ، جو انفتح لممارسة الحقوق و الحريات السياسية والنقابية بعد مرحلة طويلة من المعاناة اللاحقة على سنوات الضيق و القحط السياسي ،مجتمع مدني يتحرك بخطى حثيثة بحثا عن صيغ تعبيرجديدة تسمح بها الهوامش المتاحة وقد بدا واضحا ان مساحاتها الجانبية في توسع مستمر ، ..ثم -لا ننسى ذلك -إعلام حزبي قوي يوزع بعشرات الآلاف من النسخ يوميا ، ويصل بالإشعاع و باللإقناع الى اقصى الأقاصي في خارطة المدن والقرى المغربية ،في ارتباط وثيق مع قضايا وحاجيات و تطلعات الناس .

ومحصلة كل هذا ثقة في السياسة وقدرتها على إحداث الفرق وإنتاج الحلم او تحويله الى حقاءق.

ومحصلته ايضا حصول توافق وتناغم في التطلعات بين النخبة والجماهير العريضة ،بين ،النخبة بمكوناتها السياسية والمدنية والنقابية والثقافية والجامعية والجماهير العريضة في المدن والبوادي .

ومحصلته ايضا ثقة في المستقبل ينفتح ويعد ويفتح الآفاق للجميع .

في هذه الفترة ،كما اشرت ،كانت بلادنا تتهيأ لخوض غمار حملة دولية واسعة النطاق للاقناع بعدالة قضية الوحدة الترابية, وتقديم كل الشروحات والتوضيحات وكشف خطابات الزيف والتضليل التي كانت تبثها بعض القنوات الاعلامية الغربية ،وفيها بالطبع وفي مقدمتها قنوات اسبانية ( بخط تحرير يساري او يميني لا فرق)وقنوات وصحف فرنسية ،و حيث كان يلتقي -موضوعيا -خطاب كولونيالي يحن الى ماض امبراطوري ولى الى الابد وخطاب يسراوي حالم ،وجاهل بالحقاءق ،توهم المروجون له امكانية قيام بؤرة ثورية فوق رمال الصحراء .

تذكرت وانا استحلب الذاكرة بخصوص هذه الفترة ومخاضاتها الوطنية ان دور الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد ضمن الحملة الوطنية المنسقة بخصوص الصحراء المغربية كان التوجه الى كولومبو .

واتذكر ان عبد الرحيم بوعبيد رحمه الله، بدقته وفصاحته السياسية وب son franc parlerاجاب بانشراح وقناعات راسخة عن سيل من الاسءلة الصحفية لجراءد ومجلات وطنية ومراسلي صحف اجنبية ،جاءت تستفسر الرجل وتستوضح منه بشكل مباشر عن طبيعة مهمته وملابساتها وضمانات نجاحها والمنتظر منها .

واذكر انه ،وفي سياق الردود حول الإسءلة المتشعبة وتقديم الوقاءع والمعطيات دعما للإجابات ،كانت اللازمة التي يعود اليها بشكل مسترسل ومتكرر هي عبارة من ثلاث كلمات : تعزيز الجبهة الداخلية . نعم تعزيز الجبهة الداخلية .

كلمات كان يرددها ويفيض ويستفيض في شرح دلالاتها ومعانيها وما يتطلبه هذا التعزيز من خطوات تروم بناء ثلاثة اركان :

-تجذير البناء الديموقراطي المؤسساتي،

-العدالة الاجتماعية.

توفير مناخ من الحقوق والحريات يفسح الطرق والمسالك للطاقات الخلاقة .

،اركان ثلاثة كان يرددها شارحا مفاعيلها ومفعولاتها في السياق الوطني ، ودورها الحاسم وغير القابل للتعويض في إسناد العمل الديبلوماسي ،كلمات كان فيما اذكر يتبعها بترديد تلك اللازمة اللغوية التي كان متعودا على نطقها بالدارجة (على محال ،اي على اية حال). متيقنا ان هذه الاركان الثلاثة بامتداداتها السياسية والحقوقية والاقتصادية وبحمولتها التعبوية ، والسيكولوجيةهي وحدها الكفيلة بتكوين تلك الارضية الصلبة وادوات وآليات الدفاع القوية ضد كل مخاطر الاختراقات الاعلامية التي قد تستهدف البلاد او مؤسساتها وتوازناتها .

وبالنسبة لجيلنا فان مفهوم بناء الجبهة الداخلية ،انطلاقا من تلك الفترة صار مقولة مركزية في بناء صرح الديموقراطية ،كما صار احد مفردات قاموسنا السياسي اليومي نستخدمه جنبا الى جنب مع مفردة المسلسل الديموقراطي .

وإذن وفي المحصلة النهاءية ،وفي آخر التحليل ،فان الرد على لوموند والمقال لا يمكنه ان يتم بإطلاق سهام من الكلمات تغطي مساحة زمنية ظرفيةومؤقتة من زمننا السياسي ،ولا يمكن ان تنحصر في مجرد اعمدة صحفية ينتهي مفعولها ساعة او ساعتين بعد الفراغ من قراءاتها .

إن الرد الحاسم ،الاستراتيجي ،الداءم والمستدام هو تعزيز الجبهة الداخلية :

-هو تعزيز الثقة في السياسة .

-هو العمل على خلق مناخ جديد يسمح بتجديد النخب

-هو استعادة تناغم صار مهددا بين النخب والجماهير العريضة .

هو تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية التي كانت في صلب الخطاب الملكي .

هي اتباع الانجازات الاقتصادية في البنيات التحتية والقطاعات الواعدة بإصلاحات حاسمة في المجال السياسي وفي حياة المؤسسات وعدم اعتبار الانتخابات هدفا في حد ذاتها صارت اليوم تتمظهر كمواسم استعراضية للالوان والاوراق 

على محال (على اية حال) تلك بعض من مقومات بناء الجبهة الداخلية ,وهي الملاذ الاول والاخير للرد على مقال لوموند اوغيرها من الصحف الغربية ايا كانت بواعثها وحساباتها وايا كان خطها التحريري .

الرد الظرفي طبعا ضروري واساسي دفاعا عن الوطن ومؤسساته وتوضيح ما يتوجب توضيحه او دحضه ،لكن بعده ياتي الرد البنيوي ،الاستراتيجي الذي كان في ذهن الزعيم عبد الرحيم بوعبيد قبل قرابة اربعة عقود وهو يجيب على اسءلة الصحفيين قبل ان يستقل الطاءرة باتجاه كولومبو :بناء الجبهة الداخلية توخيا للتحصين الشامل .

وإذا لم يكن هذا هو الافق فلن نتعلم بالتاكيد كيف تكون ردود افعالنا موزونة محسوبة متصاعدة وفعالة ،وان لا نبقى ضمن منطق يجعلنا مشدودي الاعصاب مشتتي الانتباه والتركيز ،نفرغ شحنتنا في سيل من الكلام ونملي النفس انه ادى وظيفته المطلوبة .

رئيس اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان / جهة فاس - مكناس