ما ورد في الصفحة المشبوهة المدعوة بجبروت ليس سوى عينة من خطاب التضليل والدعاية السوداء الذي يسعى خصوم المغرب إلى تمريره ضمن حروب الجيل الجديد، حيث لم تعد الأسلحة مجرد بنادق ودبابات وصواريخ ، بل أضحت الأكاذيب والشائعات سلاحا فتاكا موجهاً إلى العقول والنفوس، حيث يتم استهداف المؤسسات الوطنية هذه المرة ، وعلى رأسها المؤسسة الملكية التي تشكل عماد الاستقرار ووحدة المغاربة، ما يكشف حجم الحقد الدفين لدى أصحاب هذه الحملات المأجورة التي تخلط بين الوهم والخيال المريض لتصنع قصصا لا وجود لها إلا في مخيلة مروجيها النتنة.
إن من يقرأ هذه الترهات يلمس للوهلة الأولى أنها مفبركة على عجل، تهدف إعطاء الانطباع بأن الأمر "تقرير استخباراتي" أو "تسريب خطير"، بينما في الحقيقة لا يتعدى كونه مجرد هلوسات حاقدة تسعى إلى زرع الشك والبلبلة في صفوف الرأي العام. منطقها جد متناقض، إذ كيف يعقل أن جهازا استخباراتيا ك DST، والذي يضرب به المثل في الفعالية إقليميا ودوليا، أن نصدق بأنه ينخرط في سيناريو سخيف من هذا النوع، لا يصدقه عقل طفل صغير يدرس بالتحضيري؟ إن الأمر أشبه بمحاولة يائسة لتلطيخ صورة مؤسسات راسخة أثبتت قوتها ووطنيتها في الدفاع عن استقرار المنطقة وأمن الوطن.
هذه الحملة القذرة تكشف عن هدف خبيث هو: ضرب صورة المؤسسة الملكية وتشويه رمزيتها في وجدان المغاربة. فمنذ قرون، كان الملكية في المغرب وستظل، صمام الأمان الذي حافظ على تماسك الدولة واستمراريتها رغم المؤامرات والهزات، لهذا فخصوم المغرب يدركون أن لا سبيل لهم لاختراق وحدة المغاربة إلا بمحاولة النيل من هذه الرمزية الجامعة، ولهذا يتم اختراع قصص وضيعة تربط القصر بتهم أخلاقية أو فضائح وهمية، علهم ينجحون في زرع بذور الفتنة والريبة، لكن ما يجهلونه اليوم بأن المغاربة تعلموا عبر التاريخ أن يميزوا بين الحقيقة والافتراء، وأنهم لا ينخدعون مطلقا بمثل هذه السموم الإعلامية مهما كانت صياغتها.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
ثم إن إدخال مصطلحات مثل "LGBT" و"الهرمونات الأنثوية" و"المطابخ الملكية"، الهدف منها هو ربط صورة القصر بمفردات الانحراف والعمالة للأجندات الخارجية، في حين أن المؤسسة الملكية كانت وستظل للأبد حامية للهوية المغربية الأصيلة، جامعة بين عمقها الإسلامي وتجذرها الوطني وانفتاحها العصري. من هنا يظهر بوضوح أن ما ينشر ليس سوى بروباغندا أجنبية رخيصة، يراد بها اختراق سيكولوجيا المجتمع المغربي وتفكيك ولائه لرموزه الوطنية ولعل الحملة الأخيرة لصحيفة لوموند الفرنسية تأتي في ذات السياق.
لا يمكن أن نتعامل مع هذه الأكاذيب المظللة بتجاوز أو ببرودة دم، لكن وجب علينا فضحها وتعريتها أمام الرأي العام الوطني والدولي ، وأن المعركة اليوم هي معركة وعي وبناء سرديات صلبة تنهل من الحقيقة المطلقة، ثم إذا تركنا مثل هذه الرسائل تتداول بلا رد ولا تفكيك، فقد يلتقطها بعض السذج أو ضعاف الثقة بالنفس فيعتبرونها "حقائق مسكوت عنها". لذلك فإن التصدي لها واجب وطني، وهو جزء من معركة الدفاع عن السيادة الرمزية والمعنوية للمغرب، لأننا نعلم أن خصوم الوطن يتحركون على أكثر من واجهة: هناك من يستعمل الابتزاز الحقوقي، وهناك من يوظف الأدوات الإعلامية المأجورة، وهناك من يختبئ وراء قنوات على "تلغرام" أو "فايسبوك" لبث الأكاذيب وزرع الفتنة، وكلها تصب في مصب واحد: محاولة إضعاف المغرب والتشويش على مساره التنموي وصورته الإقليمية الصاعدة.
وإذا عدنا إلى مضمون النص المفبرك سنجد أنه يجمع بين ثلاثة عناصر: توريط المؤسسة الملكية، تشويه جهاز حساس مثل الاستخبارات DST، وإسقاط مصطلحات غريبة لا صلة لها بالموضوع، هذا الأسلوب يكشف أن كاتبه يتقن فن الدعاية السوداء لكنه يفتقر لأي معرفة حقيقية ببنية الدولة المغربية، فالمؤسسة الأمنية المغربية قائمة على الانضباط الصارم ولا يمكن أن تسمح بتسرب أي عنصر أجنبي مشبوه إلى قلبها، أما المؤسسة الملكية فمحاطة بمنظومة حماية شاملة تجعل من المستحيل اختراقها بهذه السذاجة التي يتوهمها الخصوم، ثم إن محاولة الزج بقضايا الهويات الجنسية في هذا السياق لا تعدو أن تكون وسيلة رخيصة لاستثارة الغرائز وإثارة البلبلة في مجتمع مسلم ومنفتح في ذات الآن.
المغاربة اليوم أكثر وعيا وإدراكا بمآرب هذه الحرب النفسية، لقد جرب أعداء الوطن كل الأساليب: من فبركة صور وفيديوهات، إلى صناعة "تقارير دولية" مزعومة، إلى نشر إشاعات عن رموز البلاد. وفي كل مرة، تنكشف الأكاذيب سريعا، ويكتشف الكل أن وراءها جهات حاقدة لم تستطع أن تهضم نجاحات المغرب، سواء في قضية مغربية الصحراء أو في مجالات الأمن والاستقرار أو في المشاريع الكبرى التي تجعل منه قوة إقليمية صاعدة، وأنه كلما قطع المغرب خطوات إلى الأمام، كلما اشتد حقد الخصوم وتكاثرت أبواق الدعاية، لكن القاعدة تبقى ثابتة: الأكاذيب سرعان ما تتبخر، والحقيقة تفرض نفسها بالتجربة والواقع.
إن الرد على مثل هذه المؤامرات يستلزم تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، وحين يشعر المواطن أن بلده يسير في طريق التنمية والعدالة الاجتماعية، يصبح سدا منيعا ضد كل حملات التضليل، وأما حين نترك فراغات أو نسمح بانتشار الإحباط، فإن أعداء الوطن يجدون في ذلك مدخلا لبث سمومهم. لذلك، فإن أقوى رد على هذه الدعاية السوداء هو أن نواصل بناء مغرب قوي، مستقل، متماسك، عصي على الاختراق.
إن رموز الوطن ملكا ومؤسسات خطوط حمراء، ولا يمكن السماح بالمساس بها تحت أي ذريعة، ومن يحاول التشويش عبر مثل هذه الحملات الدنيئة إنما يكشف عن إفلاسه الأخلاقي وبؤسه السياسي. فالمؤسسة الملكية لا تهتز بترهات كتبت في غرفة مظلمة خلف شاشة حاسوب، وجهاز الاستخبارات المغربي DST لن يتأثر بهذيان شخص مجهول يختبئ وراء اسم مستعار، لأن هذه الحملة المسعورة مجرد زبد، سرعان ما سيذهب جفاء، بينما يبقى المغرب قائما، بمؤسساته الراسخة وشامخا برموزه الوطنية التي تحظى بإجماع الشعب.
إن الرد القاسي الذي يستحقه مثل هذا الكلام هو أن نقول لهؤلاء المأجورين: لقد أخطأتم العنوان، لأن المغرب أكبر من مؤامراتكم القذرة، وأصلب من أن تنالوا من وحدته الترابية بروايات ركيكة. لأنكم ببساطة كمن يحاول خدش صخرة بإبرة صدئة. فلتستمروا في نسج الأوهام، أما نحن فماضون في مسيرة بناء الوطن، بقيادة ملكه وشعبه، لا نلتفت إلى الوراء، ولا نمنح قيمة لنباح الكلاب على قافلة طويلة تسير بثبات.
أستاذة وجامعية وفاعلة سياسية ونقابية