أبان الحاضرون في الندوة العلمية التي احتضنتها قاعة الاجتماعات بالجماعة القروية سيدي دحمان، ضمن فعاليات مهرجان "لوناسة" في نسخته الأولى، عن رفضهم القاطع تسمية رقصة "لوناسة" أو الفن الهواري بما يُصطلح عليه بـ"رقصة الأفعى"، معتبرين ذلك مساسًا بكرامة المرأة ووصفها بالأفعى، علماً بأن الله جل جلاله كرّم بني البشر عن باقي المخلوقات الأخرى. كما رفضوا وصف مزاولي فن "لوناسة" أو الفن الهواري بـ"راقصي الأفاعي"، الأمر الذي اعتبره الممارسون لهذا الفن خطأً لا يُغتفر في حق فن "لوناسة" المتوارث والمتجذر بمنطقة أولاد يحيى بجماعة سيدي دحمان بتارودانت.
يقول إدريس التاجري، كاتب جمعية فن "لوناسة" للتراث الإحيوي بجماعة سيدي دحمان: "كان الشيوخ القدماء يخرجون إلى الصيد وسط الغابة، وكانوا يتبادلون كلاماً فيما بينهم مع تكرار الكلمات والعبارات بالطريقة المعروفة في الفن الإحيوي 'لوناسة'، في حين تقوم مجموعة أخرى بدور 'اللغث' بحثاً عن الفريسة وإجبارها على الخروج من مخبئها باستعمال ما يُعرف في المنطقة بـ'الطارة' (الدف الصغير الحجم). حينها يقوم أصحاب البارود بمهامهم على إيقاع رقصة الغزال، فيما يستمر الشيوخ في 'اللغث'، وهو في الميزان الإحيوي تكرار الكلمة والصياح". ويضيف التاجري: "'اللغثة' كما في اللغة العربية مشتقة من الفعل 'لَغَثَ'، أي كلام مختلط متبوعاً بأصوات 'ء - أ - أ'."
من جهتهما، وبعد الكلمة الترحيبية للسيد المدير الإقليمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة – بتارودانت شفيق بورقية، وكلمة مدير المهرجان نور الدين الكازة، أكد المحاضران مولود أشهبون والدكتور المختار النواري أن إقليم تارودانت يزخر بتراث ثقافي وفني خصب، يعد حصيلة تفاعل أشكال التعبير والإبداع، ويرمز إلى الهوية والذاكرة ويحيل على قيم دينية وإنسانية واجتماعية. وأشارا إلى أن هذا التراث يتسم بالعمق والعراقة، كونه ينهل من الأصالة ويختزل قيماً وأبعاداً إنسانية، كما أنه تراث حي ومتجدد يُنتج المعرفة والأفكار.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وأكدا أن منطقة أولاد يحيى تحتفظ بذاكرة جماعية غنية نتجت عن تراكم تفاعلات سوسيوثقافية، وتضم فنون فرجة تراثية تُدرج ضمن التراث الثقافي غير المادي. ولا يزال السكان يحافظون على نمط تراثي أصيل قائم على الفرجة والاحتفالية، يتميز بتناسق بديع بين الكلمة والأداء الموسيقي والحركة الجسدية، وهو ما يُعرف بفن "لوناسة" الذي يُعتبر تعبيراً عن الفرح الجماعي والفرجة الفنية البدوية الطارئة ببلاد سوس، والتي طورتها قبائل البدو العربية منذ العصر الموحدي، ومنها قبيلة أولاد يحيى المعقلية.
وأوضح المحاضران أن كلمة "لوناسة" مشتقة من الأنس والاستئناس، لما تخلقه هذه الفرجة من أجواء مرح وفرح تتيح تجولاً نفسياً وروحياً عبر الإنشاد والرقص والإيقاع، مما يُحدث توازناً نفسياً يُنسي المتلقي هموم الحياة. وأشارا إلى أن أصالة هذا الفن تكمن في امتداده التاريخي وتعبيره عن المواقف المجتمعية بكلمات قوية وحركات بديعة، مما جعله يتقاطع مع أشكال غنائية أخرى.
وفيما يخص التحديات وسبل إنقاذ فن "لوناسة"، أشار المحاضران إلى صعوبة البحث في تاريخ الفنون الشعبية بسبب شح المراجع وتضارب الروايات الشفوية، مما يتطلب منهجاً علمياً دقيقاً لجمع المعلومات وتحليلها. ولضمان استمرارية هذا الفن، دعوا إلى تأصيله عبر الدراسة والبحث، وتوثيق متونه القليلة المتبقية، وتكوين الشباب لحمل المشعل، وإدراجه ضمن المسالك الثقافية والسياحية لتعزيز الاقتصاد المحلي.
وفي الختام، أكد مولود أشهبون والدكتور المختار النواري أن مهرجان "لوناسة" في نسخته الأولى يجب ألا يكون مجرد حدث ترفيهي عابر، بل محطة لتعميق المعرفة بهذا التراث وإطاراً لتوطينه في موطنه الأصلي، بما يسهم في تحصين الهوية وتثمين هذا الموروث الفني المهدد بالاندثار.