النساء وانتخابات 2026.. نحو تمثيلية منصفة

رحاب حنان السبت 09 أغسطس 2025
BJK3hEOsbSUwZ45VfHHDrwvfdna6u7z8pMMgFbot
BJK3hEOsbSUwZ45VfHHDrwvfdna6u7z8pMMgFbot

    تنفيذا للتوجيهات الملكية المضمنة في خطاب العرش الأخير، اجتمع وزير الداخلية بممثلي الأحزاب السياسية، سواء الممثلة في البرلمان، أو غير الممثلة فيه، في لقاء أولي لإعلان انطلاق المشاورات بخصوص الاستحقاقات الانتخابية القادمة، في أفق أن تكون خريطة الطريق القانونية والسياسية واضحة للجميع قبل متم السنة الحالية، حتى يتمكن الجميع من الاستعداد لهذه المحطة بما يلزم من إعداد جيد، في احترام لقواعد التنافس الشريف، بما يسهم في إكمال حلقات الانتقال الديموقراطي، وتمتين المؤسسات التمثيلية، حتى تستعيد الثقة الشعبية بها.

  وقد حدد وزير الداخلية مجموعة من المحاور التي ينبغي على الأحزاب أن تقدم تصوراتها بخصوصها قبل متم غشت الحالي، حتى تتمكن الوزارة الوصية على المسارات الانتخابية من دراستها، ومن البحث عن المشترك فيها، ومن تطعيمها، في أفق إعداد مشاريع القوانين المرتبطة بهذا الاستحقاق، حتى تكون جاهزة للنقاش والمصادقة في الدورة الخريفية القادمة للبرلمان، مما سيمكن جميع الأطراف من الاستعداد المبكر برؤى واضحة.

  ومن المحاور الأساسية التي طرحها، نجد دعم التمثيلية النسائية في المؤسسات المنتخبة.

  وإذا كانت جميع الأحزاب السياسية تكاد تنتج خطابات متشابهة بخصوص مسألة دعم التمثيلية السياسية للنساء، ينصب مضمونها على الاتفاق الجماعي على أهمية التمكين السياسي للنساء، فإن الواقع يذهب في مسارات أخرى.

  ولعل تمثيلية الأحزاب في هذا اللقاء التشاوري مع وزير الداخلية تحمل معان تخالف ما يتم التصريح به.

 إذ إن كل رؤساء وأمناء الأحزاب السياسية لم يستدعوا نساء لحضور هذا اللقاء، وهو ما يبين أن هيكلية الأحزاب السياسية لم تتشبع بروحية مبدأ المناصفة الدستوري، وبالتالي فإن حديثها عن التمثيلية السياسية للنساء لن يعدو كلاما مكرورا وعبارات مسكوكة ألفناها، فيما الاقتراحات بخصوص رفع تمثيلية النساء في المؤسسات الانتخابية لن تنس في الجوهر بالهيمنة الذكورية على هذه المؤسسات.

  وعليه فإن الحركة النسائية الوطنية مدعوة للتكتل من أجل الترافع والدفاع عن تمثيلية نسائية منصفة، تتوخى الوصل لتحقيق المبدأ الدستوري بالمناصفة.

 كما أن وزارة الداخلية بدورها مدعوة إلى عقد لقاءات تشاورية مع الحركة النسائية المغربية للاستماع لمطالبها بهذا الخصوص، واعتماد مذكراتها في مشاريع القوانين المقبلة بخصوص الانتخابات.

 إننا لا ننكر التطور الحاصل في التمثيلية السياسية للنساء داخل المجالس المنتخبة، قياسا إلى محيطنا الإقليمي، لكن في نفس الوقت فإن هذه التمثيلية تظل دون المأمول إلى اعتمدنا قياسا آخر يعتمد مرامي الوثيقة الدستورية الداعية للمناصفة، وهي الوثيقة التي مر على المصادقة الشعبية عليها 14 سنة، وإذا اعتمدنا قياسا آخر كذلك يأخذ بمعطيات التحولات الاجتماعية والديموغرافية كما أوضحتها نتائج الإحصاء الأخير للسكان، والذي أبان عن التطور بمتوالية سريعة فيما يخص عدد النساء الحاصلات على شهادات عليا، واللواتي تتابعن دراساتهن بالتعليم العالي، واللواتي تعلن أسرا، واللواتي تشغرن مناصب مهمة في قطاعات مختلفة، وهي مؤشرات تبين أن هذا التطور لا يترجم سياسيا من خلال تمثيلية منصفة.

    إن الديموقراطية التمثيلية كآلية من آليات السيادة الشعبية ليست نمطا جامدا، بل هو نمط يتطور بحسب التحولات التي تحصل في السياسة والديموغرافيا والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا.

 فإذا كانت هذه الديموقراطية التمثيلية القائمة على التعددية الحزبية، بحيث إن التمثيل يأخذ في الاعتبار الأول حجم الحزب في الكتلة الناخبة اعتبارا للأصوات التي يحصل عليها، وهو تصور كان مقبولا في زمن الانقسامات الإيديولوجية الكبرى، فإن التطورات اللاحقة أبانت عن أهمية تنويعات أخرى ذات أبعاد غير إيديولوجية صرفة (أي بعيدا عن المفاضلات بين اليمين واليسار والوسط والتي كان الهاجس المتحكم أساسا فيها هو الاقتصاد)، من مثل التفاوتات المجالية، ومن مثل قضايا النوع الاجتماعي، ومن مثل الصراعات بين الأجيال.

 وبالتالي فإن فئات مثل النساء أو الشباب أو ساكنة المناطق المهمشة، أو الأشخاص في وضعية إعاقة أو المهاجرين خارج الوطن، ينبغي ان تكون لها تمثيلية بأي شكل من الأشكال المتوافق عليها.

  فحتى لو افترضنا وجود أحزاب تدافع عن مثل هذه القضايا (وخصوصا التقدمية منها)، فإن هذا لا يغني عن وجود تمثيلية حقيقية ومباشرة لها، لأنها فئات لم تجن الكثير من خلال تفويض الآخرين الحديث باسمها.

 ويكفي للتدليل على ذلك ملاحظة القوانين التي تنتجها السلطة التنفيذية، والسياسات العامة الصادرة عن الحكومة وعن مختلف الجماعات الترابية، ليتبين أنها لا تراعي مقاربة النوع الاجتماعي، ولا تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار حاجيات الفئات المختلفة من المجتمع، بل تنطلق من مرجعية ذكورية صرف، ولذا فإن السياسات العامة مثلا لا تراعي أحوال النساء القرويات، ولا النساء في وضعية صعبة، ولا الأمهات العازبات، ولا النساء المرضعات، ولا النساء اللواتي يقمن برعاية أشخاص في وضعية إعاقة، ولا النساء الحاضنات، ولا النساء ضحايا العنف، وخصوصا الأسري.

 ويتذرع البعض بأن رفع التمثيلية السياسية للنساء داخل المؤسسات المنتخبة عبر آلية الكوطا هو إجراء غير دستوري، باعتبار انه يقوم على التمييز لصالح النساء.

 إلا أنه يتم التغاضي على حقيقة أخرى، وهي أن الأحزاب السياسية ما زالت تحجم عن ترشيح النساء في اللوائح العادية، أو وضعن على رأسها، مما لا يمكننا من معرفة حقيقة تمثل الناخبين للمشاركة السياسية للنساء.

 ذلك أن الكوطا التي هي شكل من أشكال التمييز الإيجابي، كان إقرارها حتى تكون محطة مؤقتة يستأنس من خلالها المواطنون بوجود النساء في المؤسسات التمثيلية، ويكتشفن قدراتهن، وبالتالي يتم التخلص تدريجيا من الصور النمطية التي تكرست خلال عقود من الإقصاء السياسي للنساء، مما جعل فئات كثيرة من المواطنين يعتقدون ان السياسة هي مجال محفوظ للرجال حصرا.

 إلا أن الدفاع عن استمرارية الكوطا النسائية اليوم، والزيادة في عدد المقاعد  المخولة للنساء حصرا حتى نصل إلى الثلث في أفق تمثلية متكافئة ومنصفة (اليوم لا يتعدى عدد النساء في مختلف المؤسسات المنتخبة في أحسن الحالات الربع)، لا يعود إلى السبب المتحدث عنه آنفا، والذي يشكل أساس فلسفة التمييز الإيجابي، بل يعود كذلك إلى النسق الذكوري داخل الأحزاب السياسية، والذي يحجم عن ترشيح النساء على رأس لائحة الانتخابية المحلية، بسبب هيمنة بنية الأعيان، والتي هي بدورها خاضعة للنسق الذكوري.

 وثمة من يقول بأن هذه الكوطا النسائية بدورها لم تساهم في محاربة الصور النمطية المتعلقة بالمشاركة السياسية للنساء، بل في أحيان كثيرة كرست هذه الصور النمطية نفسها، وذلك بسبب تحولها إلى آلية ريعية / آلية للمساوة، بحيث لا توضع على رأس اللوائح المخصصة للنساء سوى المقربات ( القرابة الأسرية نموذجا ) .. من المتنفذين في أي حزب، دون الأخذ بعين الاعتبار عناصر الكفاءة والاقتدار والتدرج داخل هياكل الحزب.

  وفي الحقيقةـ لا يمكن نفي الكثير من الصدقية في هذا الدفع، ولو أنه يجب تنسيب الكثير مما فيه.

 لأن معيار القرابة والزبونية وجبر الخواطر غير قاصر على التمثيلية النسائية، بل حتى على التمثيليات الشبيبية، وعلى التعيينات في مناصب المسؤولية والمؤسسات الوطنية والاستشارية، وعلى اختيار أعضاء الدواوين، والتي تكون ادماج النساء داخلها  ضعيفة مقارنة بالرجال.

 كما انه رغم "تلويت" الكوطا النسائية بالريع، فهذا لا ينفي أن الكوطاالنسائية ساهمت في بروز شخصيات نسائية مؤثرة وقوية، سواء في البرلمان أو في باقي المؤسسات المنتخبة، وكان حضورهن أقوى من حضور زملائهن الرجال.

وللأمانة، فإن تغيير نمط الكوطا النسائية من الوطني إلى الجهوي فيما يخص انتخابات مجلس النواب، أفضى إلى توسيع مساحة الريع الانتخابي، بحيث إن أعيان الانتخابات في الجهات وفي الدوائر الانتخابية الكبرى هم من تحكموا في ترتيب لوائح النساء الجهوية، مما جعلنا في بعض الأحيان أمام لوائح عائلية عوض ان تكون حزبية.

  وفي العموم، فإن الإشكال ليس في الكوطا النسائية تحديدا، ولكن في الثقافة والممارسة الحزبية التي تجعل القرار في يد أعيان الانتخابات، وأصحاب الشكارة، وبالتالي فإن كل آلية انتخابية مهما كانت فلسفتها راقية، سرعان ما يتم تكييفها مع انساق الريع والزبونية والقرابة.