تحلية البحر وطرق مائية سيارة.. حلول مبتكرة لتدبير ندرة الماء

أحداث. أنفو الأربعاء 30 يوليو 2025
No Image

يعد المغرب من بين البلدان المهددة بشح المياه بسبب التقلبات المناخية، إذ تراجعت حصة الفرد من المياه في المملكة من حوالي 2600 متر مكعب خلال الستينيات إلى قرابة 606 أمتار حاليا، وهو المستوى القريب من معدل شح المياه المحدد بـ500 متر مكعب للفرد.

لأجل ذلك يخطط المغرب لبناء محطات لتحلية مياه البحر في المدن الساحلية لخفض ضغط المياه في السدود في حال استمرار الجفاف وتلافي الاعتماد على مصادر المياه الاعتيادية (المياه السطحية والجوفية)، وكذلك الاستعداد لتداعيات التغيرات المناخية المتسارعة.

ربط الأحواض المائية

تم الشروع في الربط بين الحوضين المائيين لسبو وأبي رقراق عبر إنجاز الشطر الاستعجالي المتمثل في تحويل المياه بصبيب يقدر بـ15 مترا مكعبا في الثانية، وذلك في مدة قياسية بلغت 10 أشهر بكلفة قدرها 6 مليارات درهم. وقد مكن هذا المشروع من تأمين حاجيات ساكنة محور الرباط الدار البيضاء التي تناهز 10 ملايين نسمة.

كما أنه، ولتأمين احتياجات ساكنة طنجة الكبرى ونواحيها من الماء الشروب، والتي تقدر بـ1.3 مليون نسمة، تم الشروع في إنجاز مشروع الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة بكلفة تناهز 840 مليون درهم في مدة لا تتجاوز 10 أشهر. وسيمكن هذا المشروع كذلك من توفير مياه السقي لمساحة تقدر بـ21 ألف هكتار.

من جهة أخرى، أنجزت الحكومة قناة لربط شبكات مياه الشرب بين شمال الدار البيضاء وجنوبها. كما أطلقت مشروعا متكاملا لضمان التزود المائي لجهة الدار البيضاء سطات، عبر الرفع من قدرات محطة أم عزة لمعالجة المياه، وإضافة قناة رابعة لضمان تزويد مدينة الدار البيضاء بصبيب إضافي يبلغ 2 متر مكعب في الثانية، إضافة إلى تزويد جنوب المدينة والمناطق الحضرية المحاذية لها انطلاقا من محطة تحلية مياه البحر بالجديدة.

من ناحية أخرى أطلقت وزارة التجهيز والماء دراسة جديدة، تهدف إلى تصميم مشروع ضخم يربط بين أحواض المياه في اللوكوس وسبو، في خطوة استراتيجية لتحسين توزيع الموارد المائية عبر جهات المملكة.

وتتجلى أهمية المشروع في تحسين إدارة الموارد المائية في البلاد عبر الربط بين هذه الأحواض المائية الثلاثة وتوجيه المياه نحو سد المسيرة، ومعالجة مشكلة فقدان كميات كبيرة من المياه في البحر في المناطق الشمالية للمغرب. ومن خلال مشروع الربط بين الشمال والجنوب ستتم الاستفادة من هذه الكميات المهدرة لتعزيز التكامل بين الأحواض المائية المختلفة، وبالتالي تعزيز مرونة النظام المائي الوطني في مواجهة التحديات المستقبلية.

تحلية مياه البحر

أصبحت مياه البحر مصدرا مهما للمياه العذبة في المناطق الساحلية التي تعاني من نقص المياه أو الجفاف، وتعتمد العديد من البلدان حول العالم تقنية تحلية مياه البحر، مثل دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا.

أما في المغرب، ورغم التطور الذي يشهده إنتاج الماء عن طريق تحلية مياه البحر، فإن المغرب مازال يعتمد بالأساس على الموارد المائية التقليدية، بنسبة 97 في المائة، في وقت تشهد هذه الموارد تراجعا مستمرا خلال السنوات الأخيرة بفعل التغيرات المناخية.

وتمثل المياه السطحية 67 في المائة من الإنتاج الوطني من الماء الصالح للشرب، مع 30 في المائة من الموارد الجوفية؛ بينما لا تمثل مياه البحر المحلاة سوى 3 في المائة، لكن من المتوقع أن تستمر تحلية مياه البحر في النمو وتتسارع خلال السنوات القادمة.

وقد جعل المغرب من تسريع وتيرة إنجاز محطات تحلية مياه البحر أولوية، وركز على الرفع من القدرة الإنتاجية للبعض منها، وإحداث محطات أخرى جديدة، حيث تطور حجم المياه المنتجة من 46 مليون متر مكعب سنويا في 2021 إلى 284 مليون متر مكعب سنويا حاليا بعد إدخال الشطر الأول لكل من محطات أكادير والجرف الأصفر وآسفي والعيون ومحطة الكركرات في الخدمة.

ومن المرتقب أن يبلغ هذا الحجم 806 ملايين متر مكعب سنة 2026 عبر العديد من المحطات، ومن أهمها محطة الدار البيضاء بسعة أولية قدرها 200 مليون متر مكعب، ومحطة مراكش وابن جرير، ومحطة خريبكة ومحطة الداخلة والشطر الثاني من محطة أكادير.

كما تشتغل الحكومة بصفة حثيثة على الرفع من القدرة الإنتاجية لمياه البحر المحلاة لتفوق مليار متر مكعب سنويا في أفق سنة 2027، إذ ستنجز مجموعة من المشاريع من أهمها الشطر النهائي من محطتي الجرف الأصفر وآسفي، والشطر الأول من محطة الناظور بسعة تبلغ 140 مترا مكعبا، إضافة إلى محطات طنجة والصويرة وكلميم.

من جهة أخرى، تم تخصيص ميزانية إضافية غير مبرمجة قدرها 2.2 مليار درهم كتدابير عاجلة لاقتناء 200 محطة متنقلة لتحلية مياه البحر والمياه الأجاجة، في مناطق مختلفة من المملكة التي تعرف خصاصا مزمنا في الماء الشروب.

توظيف الطاقة النظيفة

تتطلب تحلية مياه البحر طاقة كبيرة ومكلفة نسبيا، مما يستلزم، على المدى البعيد، تزويد محطات تحلية المياه بالطاقة النظيفة لخفض تكلفة إنتاج المياه المحالة وتقليص البصمة الكربونية لهذه المحطات، لذلك فإن تحلية مياه البحر أصبحت أكثر كفاءة وأقل تكلفة في السنوات الأخيرة.

وعادة ما تتعرض تقنية تحلية المياه لانتقادات كونها تستهلك الكثير من الطاقة، وبالتالي تؤثر سلبا على البيئة، لكن الرباط أعلنت أن محطات التحلية ستشتغل بالطاقات المتجددة، وهو ما يسمح بتخفض التكلفة بشكل كبير.

وزير التجهيز والماء، نزار بركة، سبق وأعلن أمام مجلس المستشارين بالبرلمان أن الحكومة قررت استخدام الطاقات المتجددة في كل محطات تحلية المياه الجديدة، باعتبار أن أقل تكلفة لتحلية مياه البحر اليوم على الصعيد الدولي توجد في المغرب.

وستبدأ محطات تحلية مياه البحر في المغرب في اعتماد الطاقات المتجددة في الإنتاج، في خطوة يرى مختصون أنها ستخفض كلفة الإنتاج بشكل كبير كما أنها ستقلل من الآثار السلبية للتحلية.

ويرى الخبراء أن استعمال الطاقة المتجددة بدل الوقود الأحفوري سواء التي مصدرها الشمس أو الرياح تساعد في تخفيف الآثار البيئية لتحلية مياه البحر، وهو خيار لتخفيف الغازات الدفيئة ومواجهة التغيرات المناخية أيضا.

بناء السدود

يتم حاليا تتبع أشغال 18 سدا كبيرا، من بينها 14 سدا من أصل 22 سدا مبرمجا في البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020 ــ 2027، مع العمل على تسريع وتيرة إنجاز هذه السدود من خلال تقليص مدة الأشغال المتعلقة بها.

إلى ذلك، تم إنجاز أربعة سدود كبرى، وهي سد تيداس، وسد تودغا، وسد أكدز، وسد فاصك بسعة تخزينية تصل إلى 866 مليون مكتر مكعب، وقد بدأت عملية ملء حقينة هذه السدود الأربعة.

كما تم خلال سنة 2024 الشروع في ملء ثلاثة سدود كبرى (مداز بإقليم صفرو، وسد غيس بإقليم الحسيمة، وسد كدية برنة بإقليم سيدي قاسم) بسعة تخزينية تصل إلى 800 مليون متر مكعب ليصل مجموع السدود الكبرى إلى 156 سدا، بزيادة 7 سدود منذ 3 سنوات (2021) بسعة تخزينية إضافية تصل إلى 1.67 مليار متر مكعب، أما بالنسبة للسدود الصغرى، فقد تم إنهاء أشغال سد تاغوشت بإقليم الراشيدية بكلفة مالية إجمالية تقدر بـ28,76 مليون درهم.

ولتحسين العرض المائي في المغرب، أطلقت وزارة التجهيز والماء في سنة 2025 مشاريع متعددة تشمل بناء 11 سدا كبيرا من أصل 20 مبرمجا، منها سدان في طور التعلية، بالإضافة إلى مواصلة العمل على 6 سدود كبرى.

وقد تم تسريع وتيرة الإنجاز لتقليص مدة الأشغال من 6 سنوات إلى 3 سنوات فقط، كما بدأت عملية ملء حقينة 5 سدود كبرى بسعة إجمالية تصل إلى 1.566 مليار متر مكعب.

وفي إطار دعم التنمية المحلية، تم توقيع اتفاقية لإنشاء 129 سدا صغيرا في مرحلة أولى، بتكلفة تزيد على 4.27 ملايير درهم. كما أنجزت وزارة التجهيز والماء 14 سدا صغيرا ومتوسطا لتعزيز البنية التحتية المائية. وفي سياق الربط بين الأنظمة والأحواض المائية، تم تنفيذ مشروع قناة لربط شبكات مياه الشرب في شمال وجنوب الدار البيضاء، وضمان الإمداد المستمر بالمياه.

كما تم إنجاز الشطر الاستعجالي لتحويل المياه من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق، بصبيب أولي يصل إلى 15 مترا مكعبا في الثانية، بتكلفة تصل إلى حوالي 6 مليارات درهم، والذي بدأ تشغيله في غشت 2023 لتلبية احتياجات مدن الرباط وسلا والدار البيضاء.

إلى جانب ذلك، أجريت دراسات تفصيلية لمشروع الربط بين أحواض سبو وأبي رقراق وأم الربيع، مع تنفيذ مشروع الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة لضمان تزويد مدينة طنجة بالمياه الصالحة للشرب.

معالجة المياه العادمة

في ظل الخصاص المهول في الموارد المائية، الذي يشكو منه المغرب بعد ست سنوات من الجفاف، تمكن بلدنا من معالجة 57 في المائة من المياه العادمة في 177 محطة معالجة خلال سنة 2023.

وخصصت الحكومة، منذ سنة 2022، مبلغا ماليا قدره 3.6 ملايير درهم لتمويل البرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، بهدف الرفع من نسبة الربط بشبكة التطهير السائل في المراكز الحضرية والقروية، ولتطوير استعمال المياه العادمة المعالجة لسقي المساحات الخضراء وملاعب الكولف.

وكشف تقرير لوزارة الداخلية أنه، بفضل البرنامج الوطني للتطهير السائل، تمت إعادة استعمال ما يقارب 32 مليون متر مكعب من المياه العادمة المعالجة خلال سنة 2022 في سقي المساحات الخضراء، ومن المرتقب الوصول إلى 100 مليون متر مكعب في السنوات القادمة.

من جهة أخرى، ولضمان جودة المياه المحولة من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق، عملت الحكومة على إنجاز عدة مشاريع لمحاربة التلوث الصناعي والتلوث الناتج عن مادة المرج على صعيد الحوض المائي لسبو بكلفة إجمالية تناهز 1.4 ملايير درهم. ولتأمين إنجاز هذه المشاريع التي كان مخططا لها منذ سنوات عديدة بدون نتائج على أرض الواقع، عملت الحكومة على برمجة ميزانيات الاستثمار وميزانيات التسيير في إطار اتفاقيات تم إبرامها مع الفاعلين المحليين.

وقد أطلق البرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج، والذي تقدر تكلفته بـ43 مليار درهم، بهدف تحسين نسبة ربط الساكنة بشبكات الصرف الصحي وتخفيض نسبة التلوث عن طريق إنشاء محطات لمعالجة المياه العادمة، وإعادة استعمالها في سقي ملاعب الكولف والمساحات الخضراء، وكذا على المستوى الصناعي أو الفلاحي.

وسيمكن هذا البرنامج في أفق 2040 من العمل على مواصلة برمجة ربط المدن والمراكز الحضرية، بهدف الرفع من معدل الربط إلى نسبة 90 في المائة وتقليص نسبة التلوث بأكثر 80 في المائة، وتجهيز المراكز القروية، مما سيمكن من تحسين نسبة الربط إلى 80 في المائة، وتقليص نسبة التلوث بحوالي 60 في المائة، وتوفير إمكانية إعادة استعمال 573 مليون متر مكعب من المياه العادمة المعالجة سنويا.