الدافري يكتب: ميدي 1 سيف الإعلام المغربي المشحوذ ضد النظام الجزائري المنبوذ

بقلم: أحمد الدافري الأحد 30 مارس 2025

بوعلام صنصال، الكاتب والروائي والمؤرخ الجزائري الفرنسي الذي اعتقله نظام الجزائر وهو عائد من فرنسا، وزج به في السجن قبل أن يحكم عليه مؤخرا بخمس سنوات سجنا نافذا، بسبب تأكيده لمجلة فرنسية في حوار معه بأن فرنسا عندما استعمرت الجزائر كان الغرب الجزائري الحالي أرضا مغربية، كنت قد استمعت لصوته أول مرة في حياتي عبر أمواج إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية ميدي 1 في سنة 2006.

كان بوعلام صنصال حينها متعاونا مع إذاعة ميدي1، حيث كان يكتب لفائدتها ركنا باللغة الفرنسية ويقرأه في فقرة خاصة بكُتاب الرأي، واستمر في ذلك من 2006 إلى 2008.

وقبله كنت أستمع أيضا للكاتبة الصحافية والناشطة الحقوقية الجزائرية سليمة غزالي عندما كانت هي الأخرى متعاونة مع إذاعة ميدي 1، لمدة تسع سنوات، من 1999 إلى 2008، وقد كان لها متابعون كُثر في الجزائر، منهم أفراد من النخبة السياسية والثقافية، وربما يكون ذاك الركن الذي كانت توجه فيه انتقاداتها اللاذعة للأوضاع السياسية لبلدها ساهم بشكل كبير في شعبيتها هناك، وجعلها تحظى بثقة فئة كبيرة من مواطنيها، مما شجع حزب جبهة القوى الاشتراكية الجزائري على ترشيحها في الانتخابات البرلمانية التشريعية في ماي 2017، فتصدرت لائحة الحزب في ولاية الجزائر العاصمة، وأصبحت نائبة برلمانية، قبل أن تستقيل من المجلس الوطني الشعبي في سبتمبر 2019، بعد أن قام حزبها بإيقافها، بسبب مقال كتبته في موقع صحفي طالبت فيه الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الشعبي الجزائري آنذاك، بضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية، وهو المقال الذي اعتبره حزبها خروجا عن نهجه السياسي، علما أنها كانت قد كتبت مقالها ذاك بانسجام مع مبادئ الحزب الذي أسسه الراحل محند أولحسين أيت أحمد وفق نهج سياسي يقوم على مرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى الحريات الفردية والجماعية، وعلى الحرية والفكرية والمدنية.

إذاعة ميدي1 كانت قد تأسست سنة 1980، بمبادرة من الملك الراحل الحسن الثاني، في فترة كان فيها المغرب في حاجة إلى مؤسسة إعلامية إذاعية ذات تأثير ومصداقية، قادرة على الوصول إلى أكبر عدد من المستمعين في المنطقة المغاربية.

وكانت المرحلة حينها تقتضي إنشاء آلية اتصال جماهيري قوية لمواجهة البروباغندا الإعلامية الجزائرية حول الصحراء المغربية، التي كان النظام الجزائري في عهد الرئيس محمد ابراهيم بوخروبة الملقب باسم الهواري بومدين، وبعده الرئيس الشاذلي بنجديد، يسخر لها أموالا طائلة من أجل معاكسة الوحدة الترابية المغربية.

حين انطلقت إذاعة ميدي1 في البث كانت مشروعا مشتركا بين المغرب والدولة الفرنسية، في عهد الرئيس جيسكار ديستان. وقد ظلت فرنسا مساهمة فيها، إلى أن أصبحت الإذاعة اليوم مغربية بنسبة مائة في المائة.

أتذكر أنه في سنة 2014، كنت قد تعرفت على الصحافي الجزائري يوسف شنيتي رئيس تحرير في الإذاعة الثقافية الجزائرية، الذي كان قد حل ضيفا على المؤتمر الدولي للإعلام والاتصال الذي ينظمه المركز المغربي للدراسات والأبحاث في وسائل الإعلام والاتصال بتطوان. وفي نهاية المؤتمر كان قد رافقني في سيارتي من تطوان إلى طنجة كي يأخذ القطار في اتجاه مطار محمد الخامس. وحين وصلنا إلى طنجة، كان موعد القطار لم يحن بعد، فأخذته على متن السيارة في جولة داخل المدينة التي لم يكن زارها قط. وعندما كنا نمر من شارع باستور في اتجاه ساحة إيبيريا، سألني هل مقر إذاعة ميدي 1 بعيد عن المكان الذي نمر منه، فأجبته بأننا على بعد أمتار قليلة منه، وتوجهت إلى زنقة المصلى، ووقفت أمام بوابة الفيلا التي كان يوجد فيها المقر السابق للإذاعة، وأشرت له نحوها، وقلت له : "ها هي إذاعة ميدي 1".

ظهرت على ملامحه المفاجأة، وقال لي متسائلا : "ميدي1 بشهرتها وصيتها وبالعدد الكبير من الناس الذين يتابعونها، توجد مختبئة هنا في هذا الزقاق؟".

لقد كان يظن أنها توجد في قلعة مُحصنة، محاطة بالأسوار، وكأنها ثكنة عسكرية خاضعة لحراسة أمنية مشددة، ولا يمكن رؤية ما يوجد وراء سورها.

قلت له مازحا وأنا أضحك: "نعم. هي هنا. ومن هذا الزقاق ترسل لكم قذائفها".

النجاح الكبير الذي حققته ومازالت تحققه إذاعة ميدي1، ومعها قنوات ميدي 1 تيفي التي ساهمت الإذاعة في إطلاق أول قناة منها سنة 2006 تحت اسم ميدي1 سات، تجاوز حدود المغرب.

فإذاعة ميدي1 ومجموعة قنوات ميدي1، تحظى بنسبة متابعة هامة في البلدان المغاربية، وبالخصوص في الجزائر، التي لا يمكن قياس المستوى العالي من الألم الذي يشعر به مسؤولوها السياسيون وهم يتابعون ما يُبث عبر شاسة مجموعة قنوات ميدي1 تيفي من برامج حوارية وروبورتاجات وتغطيات تنجزها مثلا مكاتب قناة "ميدي 1 تيفي إفريقيا" في عواصم عدد من البلدان الإفريقية، منها أديس أبابا عاصمة إثيوبيا حيث يوجد مقر الاتحاد الإفريقي، وتستضيف فيها شخصيات سياسية أو اقتصادية وازنة، للحديث عن الانتصارات الدبلوماسية المغربية في القارة، أو عن العلاقات القوية التي أضحت تربط المغرب بمحيطه الإفريقي، زيادة على البرامج التي تنتجها قناة ميدي1 تيفي المغاربية أو العربية، والتي يتم بثها من مكاتب القناة في طنجة أو الرباط أو في إحدى العواصم الأوروبية أو في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل البرنامج الأسبوعي الشهير "مع المغرب من واشنطن" الذي يعده ويقدمه من عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية آدم أورلي الدبلوماسي والسفير الأمريكي السابق في مملكة البحرين، والذي يستضاف فيه دبلوماسيون وسياسيون أمريكيون بارزون لمناقشة القضايا المرتبطة بالتنمية في أقاليم الصحراء المغربية، وبما يحققه المغرب من انتصارات في المحافل الدولية على جميع المستويات، وخصوصا في القضايا المتعلقة بوحدته الترابية.

الغصة التي تُحدثها قنوات ميدي1 تيفي في حلق النظام الجزائري، جعلته يهرول لاستنساخ نموذجها، وذلك بإقدامه على إنشاء قناة سماها القناة الجزائرية الدولية AL24، سخّر لها ميزانية ضخمة، وذلك من أجل مواجهة قوة تأثيرها التي تكمن في كفاءة العاملين فيها، وفي إيمانهم برسالة مؤسستهم النبيلة، وليس في الميزانية المخصصة لها، التي تضاعفها عشرات المرات ميزانية قناة النظام الجزائرية AL24 تلك، التي خٌلقت كي تخفف من حدة الضربات التي توجهها قناة ميدي 1 للنظام الجزائري الذي يتخذ من الحقد على المغرب قاعدة وعقيدة.

ولمعرفة قدر الألم الذي تتسبب فيه مجموعة قنوات ميدي1 تيفي للنظام العسكري الجزائري، يكفي الاطلاع على ما تتضمنه صفحات ومواقع جزائرية من أكاذيب عنها وعن القائمين على تسييرها، وهي أكاذيب وإشاعات تهدف أساسا إلى النيل من مصداقيتها، وتسعى إلى خلق الارتباك داخل هيئات تخريرها.

بل الأكثر من ذلك، أن هذه الصفحات والمواقع التي يصرف عليها النظام الجزائري ميزانية يزداد حجمها بقدر ازدباد المرتزقين منها، تكون هي أول من ينسج الأكاذيب بغرض المس بسمعة مجموعة قنوات ميدي 1 تيفي أو إذاعة ميدي1، قبل أن تسقط مواقع وصفحات أخرى في الفخ، وتقوم بترويج ما يتم نشره في شبكات التواصل الاجتماعي من أباطيل حول مجموعة قنوات ميدي 1 تيفي، عبر صفحات ومواقع جزائرية تأسست خصيصا كي تكسر سيفا إعلاميا مغربيا ممشوقا، ومشحوذا بما فيه الكفاية، بحيث لا يمكن أن يفلّه خنجر الإعلام الجزائري الصدئ المنخور بالأكاذيب والأباطيل والشائعات، والمثير للتقزز بما يبدر عنه من انحطاط في ممارسة البروباغندا الفاشلة والمتدنية.