نعيش عصر العتمة، وعلينا أن نتدبر أمرنا في مقاربة غريبة ومقلقة (أو هكذا ينبغي أن تكون لكل عاقل): عالمنا مليء بالأضواء الكاشفة، الباهرة، «الصاخبة» المتسللة إلى كل ثنايا «حضارة» التلصص والاستثارة الجامحين، لكن لا نور في أي مكان، ولا حتى بصيص. إلا من أمل ضعيف مفترض، كامن في شرطنا الإنساني يدعونا - قبل فوات الأوان- إلى أن نفيق.
نعم، بعد أن سقط العقل وانهارت كل تراكماتنا الحضارية، لم يعد لنا ملاذ سوى «غريزة البقاء»، كبشر، كإنسانية جديرة بهذا الاسم، لتحثنا على النهوض، على أن نفيق من هذا الكابوس. على أن ننتفض ضده وضد أنفسنا نحن الذاهبون إلى حتفنا الحضاري مذعنين، منبهرين، مبتهجين بسحر العبودية الجديدة، مجتمع الفرجة والسوق الشاملين، والبضاعة نحن، يبشرنا بأن أقصى درجات التطور والحداثة والمستقبل الأوحد، هي «الإقطاعية التكنولوجية». وسوطها المرعب: تلك الأشياء التي من المفروض أن تشل عقولنا ومشاعرنا وتمنع كل جدل أو اعتراض - كقدر-: «الذكاء الاصطناعي»، و«الإنسان المنقح والمزيد»، وكمشة من المحظوظين يهيؤون هروبهم الأخير إلى كواكب بعيدة لينوبوا عنا في بعث الإنسان في مكان آخر، بعد أن يكونوا قد مروا تماما هنا على هذه الأرض المسكينة.
هنالك خياران إما أن نقول لهم شكرا على عبقريتكم في هندسة الفناء، أو نستفيق ونقول مهلا، لا معنى لوجودنا إلا في صيغة وكينونة الإنسان، لذلك نحن نريد له البقاء.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
عصر العتمة هذا، مضطرب، يستعصي على القراءة، كثير المخاطر، مثير للهلع في مناحٍ شتى، غير آمن، غير آمن على الإطلاق.
التحولات شديدة السرعة لا مجال لمسايرتها فبالأحرى مساءلتها. لا تقبل سوى الإذعان. الانتقادات لا يمكن التنبؤ بها، تأتي أمواجا مباغتة وشديدة العدوى بشكل خطير يثير الهلع ويشل الإرادة.
سلم الأولويات أضحى متقلبا، ملتبسا، متناقضا، يعمل على استفحال مدمر للنزعات الفئوية والحسابات الفردية التي تتحول إلى أفق وحيد للخلاص وترقى إلى درجة «القيمة» الفضلى. ليس اختيارا بل نتيجة لسيادة جو ومنطق النزاعات الدائمة والتي تنحو لتكون عنيفة أكثر فأكثر.
يسهم تنافس الشرعيات ــ التقليدية منها والطارئة، الحقيقية والمصطنعة ــ في تأجيج هذا الوضع، أو لنقل في تأطيره سلبيا، ليحول الفضاء العام إلى «حرب أهلية» دائمة.
هكذا، تحولت القرارات إلى محاولات يائسة ــ قليلة أو عديمة المفعول ــ لصد حالات الاستعجال المتواترة. والحال أننا في عصر تتوالى فيه حالات الطوارئ في كل شيء، في القضايا البسيطة كما في شؤون كبرى.
إن انفلات كل عناصر الحياة، أو تقريبا، من كل إطار قيمي، مؤسساتي، مفاهيمي، وما يفرزه من قوانين وأعراف، وتوافقات، وأخلاقيات، يجعلنا وجها لوجه مع فقدان شامل للمعايير. اندثار تام للمعنى. «النقرة» هي مقياس الزمن الجديد. لا ماضي، ولا حاضر، كل شيء وجد ويوجد هنا والآن. اللحظة هي أبعد مدى لأي تدبير. أما المستقبل فإنه على بعد ثوانٍ: زمن الوصول إلى النقرة الثانية، و«المحتوى» و«والإعجاب»... إلخ.
كل شيء أصبح مستعجلا وترويض الإنسان «الناعم» يبدأ بإجباره على الركض محاصرا بآلات، يقتنيها طواعية، ويدمن على أوامرها التي يظنها ــ بصدق ــ خدمات وتسهيلا، وتطورا ما بعده تطور. بل وحرية! ويركض.
حكاية «العشب والحافة» ربما ستكون كل ما سيبقى من أثر البشرية بعد هزيمتها الأخيرة التي تبدو حتمية. وللأسف مخزية... إن لم تحاول حتى المقاومة!
ليس ضروريا أن نستكمل سوداوية اللوحة، لنفهم أن من الصعب، من المستحيل ــ وربما ذلك مبتغى عصر اللاشيء ــ أن تراودنا تلك الأشياء القديمة التي كانت تميز حضارة الإنسان: التفكير، مثلا، المشروع، التنبؤ، التخطيط، الرؤية، المدى القريب، والمتوسط، والبعيد... إلخ. أشياء من هذا القبيل كانت من دعامات، من كنه أي عمل سياسي بالمعنى النبيل، والنافع والضروري، أي لأي إمكانية وجود وحضارة إنسانيين.
ولعل المفارقة التراجيدية في هذه الحكاية أو الاستحالة، هي أن أي رؤية تحمل مثلا مبادئ المصلحة العامة، والقيم الإنسانية الكبرى، وطموحا نحو تقدم دائم في خدمة الإنسان أولا، وتنتصر للحرية والمسؤولية، وتتبنى التغيير الدائم عبر تراكم الإصلاحات، وتسعى للعدالة بكل مضامينها، إن أية رؤية من هذا القبيل، ستتعرض لمقاومة شديدة، وعراقيل متعددة، وتشويش حاد وممنهج، ستتم محاربتها وإجهاضها من طرف «ثقافة» اللاشيء.
عصر العتمة يخفي بشكل سيئ عاهاته المؤسسة، السيادة الكونية للفورية، اللحظة كأقصى مدى للتفكير والفعل ــ أو بالأحرى لرد الفعل ــ للحياة، الفرجة كتجلٍّ أوحد للكينونة، حيث كل شيء عابر لتوه، كل شيء سريع الزوال، أي شيء يساوي كل شيء، والعكس صحيح.
عصر اللاشيء هو المشتل الذي تنبت فيه وتنمو وتتغول فيه الديماغوجية، والشعبوية والأهواء الحزينة.
انتعاش الغرائز البدائية تحت جبة «التقدم والتكنولوجيا، والحداثة... إلخ» يشيع العالم إلى خرابه الحتمي. مأساة بلا نحيب ولا أنين.. أما الغضب؟!
لا مبالغة هنا، ولا تشاؤم، ولا حكم قيمة، لا وهم ولا انكسار ولا سخرية، لا استغراب حتى. هناك أشياء مكتوبة في ملامحها الأولى وفي من وراءها.
لا جرأة لا مغامرة استثنائية في أن نرى ما نراه فعلا، كل ما في الأمر أننا أحيانا نغض الطرف، نتغاضى عن كثير من الظواهر لتقديرات مختلفة، لكن تحولا بهذا الحجم وبتداعيات بدأت وترسخت وتتعود بالأفظع، تغري المرء بتقاسم حدس، أو محاولة فهم، أو قلق، مع من يهمه الأمر. والحال أن من يهمهم هذا الشأن بالذات: نحن جميعا الذين نتقاسم الانتماء للإنسانية.
للحقيقة إن المستفز أو المحزن، في هذه السيرورة المرتبكة، ليس الاستسلام والإذعان وغياب أي استفسار، أو نقد، أو معارضة، أو تخوف (إلا القليل من العلماء، والفلاسفة، والأطباء والأساتذة، وعلماء النفس... القليل؟ إنهم كثر ولكنهم لا يسمعون وسط ضجيج الاحتفاء العام المدبر بعناية فائقة... كل الشموليات لم تترك أبدا شيئا للصدفة).
الأكثر مدعاة للقلق هو مشهد حضارة إنسانية لآلاف السنين تسير نحو مآل غير سعيد على الإطلاق وهي تغني وتزغرد وترقص، وتركض، وتنبهر (!) «بعبقرية» أسياد الكون الجدد الذين «أبدعوا» هذه الكارثة والضحايا المرافقون ينقرون، وينقرون، ويعجبون ويتثقفون «بالمحتوى» ويبتهجون لكل فتح مبين «للرقمنة» لكل منصة.
ماذا تبقى من الإنسانية؟ ماذا سيحدث لأبنائنا؟ للأجيال القادمة؟ هل سينتمون إلينا إنسانيا ولو قليلا؟
ماذا فعلنا ليس لرد القدر بل فقط لطلب اللطف فيه؟
لا أحد ساذج لكي لا يميز وراء هذه المغامرة الجنائزية إيديولوجيا خرقاء، وأموالا يعجز المرء حتى عن تصورها، ونرجسية مجنونة، وعقيدة تكره الإنسانية، بكل بساطة، وتدفع قاعدة التبضيع والتضبيع معا إلى حدود تستعصي على الفهم البشري.
ربما هذا هو سر الذهول، الاغتراب، والإنكار. لا يمكن أن تكون الأهداف أو المآل بهذه القتامة. أليس كذلك؟
«ومع ذلك فهي تدور!» قال أحد أجدادنا في الإنسانية. ويحذر الأطباء، وعلماء النفس، والأساتذة والفلاسفة والكتاب والسياسيون والمسؤولون في كل مناحي الحياة، وتتسرب هنا وهناك دراسات، ونشعر جميعا، أو لنقل أغلبيتنا بأن أمرا ما ليس على ما يرام في هذا العالم الموازي الذي جثم على واقعنا لكي يمحوه ويرحلنا قسرا إلى إقامات اللاشيء حيث هنالك مكافأة المكافئات: «الويفي» مجاني، والحرية مطلقة في أن نتلقى الإعلانات، و«المحتوى» و«التأثير»، شريطة أن «نعجب»، شريطة أن نبقى أطول مدة ممكنة، يعني طول الوقت غارقين في هذا الخواء الهائل والمرعب.
بين «نقرة» وأخرى، يحدث أن نتحدث، كلنا أو تقريبا، عن مخاوفنا، وقلقنا، نحكي الحكايات عما يحصل لنا في عالم العتمة هذا. نظهر جميعا ــ تقريبا ــ إرادة مقاومة صلبة ونسرد القرارات الحاسمة التي نحن مقبلون عليها لحماية ما يمكن حمايته ومقاومة الإدمان والاستسهال والاستسلام. نفعل هذا في لحظات صفاء صادقة. نفعل هذا بتلك الجرأة والشجاعة التي لا تمنحها إلا تلك العلاقة «القديمة» بين الناس، حينما يلتقي أناس حقيقيون بأناس حقيقيين بمشاعر حقيقية، وأسئلة حقيقية وقيم مشتركة، ولو في الأدنى، تؤطر الكلام، والاتفاق، والاختلاف، والفرح، والغضب، والعتاب، والإنصات، والبوح، والصمت والتضامن، والتعاطف والكلمات التي تلزم، والأخرى العابرة، والضحك والابتسام، والقلق، والطمأنينة، والثقة، والحذر، والتريث، والاندفاع، والصداقة، والأخوة والحب...
تلك العلاقة التي تجمع الناس وإن اختلفوا، وحدها تنتمي إلى حقل الإنسانية. وهي شديدة الخطورة على «عصر اللاشيء». إنها تحمل في طياتها إمكانية التمرد لذلك يجب قطعها بتهييء الظروف الموضوعية والنفسية لاستحالتها.
لذلك وجب الاستفراد بنا، واحدا، واحدا، ودائما، حتى والإنسان وسط محيطه البشري في أي لحظة وفي أي مكان، فهو وحيد، وعار تماما، كما قال الآخر. مشدودا إلى «عالم اللاشيء» بألف وثاق. تبخرت «غريزة البقاء»، تبخر كل وضوح، كل تبصر، كل قرارات التمرد والاستيقاظ. تنبعث كل يوم عندنا جميعا ــ أو تقريبا ــ ثم تتبخر.
لكن هي مسألة وقت. مع الوقت وأغلال إدمان الفجاجة والخواء، سيفقد الجميع براءته. سيسود «عصر اللاشيء»، وتحكم العتمة قبضتها.
هذا الالتماس هو محاولة، أو دعوة لكي نضع خطانا في أثر حذر قديم ومشروع من انزلاقات العلم والتقدم، لعل أصدق ما يلخصها قول «فرانسوا رابليه» قبل قرون من الآن: «فالعلم بدون ضمير، ليس إلا خرابا للروح». والروح هنا بكل المعاني..