الحنين.. مرضي الوالدين!

بقلم: المختار الغزيوي الخميس 23 يناير 2025

دفنا، يوم الإثنين الماضي، بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، صديقنا، وصديق الجميع، عبد الحق مبشور رحمه الله. 

تعرفت على عبد الحق في بداية عهدي بالدار البيضاء، وظللت أعتبره واحدا من مآثر العاصمة الاقتصادية التي اكتشفتها وأحببتها منذ قدومي من العاصمة الإسماعيلية، مكناس. 

لم نحتج وقتا طويلا لكي نصبح أصدقاء، واكتشفت بعد ذلك أن هذه هي خصلة مبشور الأساسية: يصادق الجميع بسهولة ويصادقه الجميع بنفس السهولة. 

وعندما لجأت إليه ذات يوم القناة الثانية، التي كان يشتغل في إدارة إنتاجها، من أجل أن ينقذ مسلسل «وجع التراب»، من فوضى شفيق السحيمي الجميلة، كانت تعرف أن مبشور سيتمكن من ذلك. 

وفعلا نجح هذا المحاور الذكي للجميع في إنقاذ المسلسل، وإخراجه إلى الوجود، وتمكين المشاهد المغربي من التعرف على واحد من أبرز مسلسلات الشاشة الصغيرة المغربية، والفضل الأكبر في ذلك كان لعبد الحق مبشور. 

بعدها واصل الرجل اشتغاله داخل القناة بحب وإخلاص إلى أن حان أوان تقاعده، وهناك انكسر جزء أول في قلب عبد الحق رحمه الله، الذي لم يكن يتخيل نفسه إلا مشتغلا باستمرار، لذلك انخرط بحماس في جمعية متقاعدي دوزيم، وحقق حلمه وحلم ساكنة سيدي عثمان بإخراج مهرجانهم السينمائي إلى الحياة، وقام بمرافقة مسرحيات عدة داخل وخارج أرض الوطن، وبقي وفيا لعلاقات حب السينما داخل جامعة الأندية السينمائية.

شيء واحد لم يستطع عبد الحق أن يتقاعد منه: عمل الخير. 

هاتف هذا الرجل رحمه الله كان قبلة كل راغب في قضاء غرض ما، وقد عشت قصصا وحكايات، هناك في «الزيرو كاط» لأعراس وجنائز ومناسبات مختلفة تمت بفضل عبد الحق وتدخلات عبد الحق، وعرفت العشرات ممن دخلوا المستشفى بفضل مكالمة منه، وشهدت على كثير من أعمال الخير التي كان يهوى القيام بها، والتي يلزمك من أجل الاستمرار فيها صبر طويل، أعترف أنني وأمثالي لا نمتلكه، لكنه كان الملمح الأساس في شخصية هذا الرجل رحمه الله. 

لذلك لم أستغرب الحضور الغفير الذي شيعه يوم الإثنين في شهداء الدار البيضاء. 

أناس من مشارب مختلفة، ومن انتماءات متباينة، ومن حرف ومهن بعيدة عن بعضها البعد الشديد، التقوا في صلاة الظهر دون سابق اتفاق لكي يلقوا النظرة الأخيرة على جثمان عبد الحق مبشور، وهو يغادر دنيانا الفانية. 

جمعهم الرجل في لحظته الأخيرة، ووحده كان يستطيع ذلك، لأنه مسهم بعدوى الحب الذي كان قادرا على توزيعه بسهولة بالغة. 

زميل لي في المهنة، لم يسبق له أن عرف عبد الحق رحمه في حياته، رافقنا إلى الجنازة طمعا في أجرها فقط، استغرب من عدد الحضور الكبير، وقال لنا «أكيد، هذا الرجل الذي أتى من أجل توديعه كل هؤلاء الناس كان رجلا طيبا، بالتأكيد هناك سر ما وراء كل هذا الحب الصادق في هذه اللحظة الأخيرة». 

استمعنا بعد ذلك لكلمة الإمام الجميلة وهو يؤبن صديقنا عبد الحق، والتي توجها الخطيب بالسرد الجميل «مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض».

يوم الإثنين أثنى الكل خيرا على عبد الحق، ولا نقول بعد الترحم على هذا الصديق الجميل، وتوديعه إلى لقاء، إلا ما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم «وجبت». 

وداعا الحنين مرضي الوالدين، ارتح الآن قليلا بعد كل ما عشته من عناء.