حكمة أوليس في غزة

بقلم: سعيد نافع الخميس 16 يناير 2025
DSC_3533
DSC_3533

أخيرا انتصر صوت العقل وآلية التفاوض في غزة، بالإعلان على اتفاق جاء بمساعي حثيثة وطويلة قادتها كل من الولايات المتحدة ومصر وقطر. يقضي الاتفاق، المسطر على مرحلتين، في فترته الأولى بانسحاب الجيش الإسرائيلي من مواقع في شمال والجنوب، مع الإبقاء على قوة عسكرية في محور فيلادلفيا الذي يقسم غزة إلى نصفين، وتحرير 33 أسيرا إسرائيليا لدى حماس، ثم الإفراج عن أسرى فلسطينيين في سجون إسرائيل.

لكن الخسائر الفادحة لحماقة السابع من أكتوبر لا تعد ولا تحصى. وحين كان العقلاء منا، ومحبو السلام، والعارفون بالتكلفة الباهظة التي تخلفها نيران الحروب في البشر والبنيات التحتية، ينبهون لخطورة ما أقدمت عليه حماس في تلك المغامرة غير محسوبة العواقب، انبرت لهم جحافل اللاعقل، تتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور، في تكريس قديم لمفهوم ‘‘الهزيمة المنتصرة‘‘. نفس الجحافل، خرجت بعد إعلان الاتفاق، لكي تنشر في وسائل التواصل الاجتماعي بأن ‘‘غزة انتصرت‘‘.. عن أي انتصار تتحدثون ؟

بعد 468 يوما من الحرب في غزة، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أمس الأربعاء، أن عدد الضحايا في القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، بلغ 46 ألفاً و707 فلسطينيين، وإصابة 110 آلاف و265 آخرين. مجلة ‘‘ذا لانسيت‘‘ البريطانية تتحدث عن أرقام أكبر. 60 في المائة من القتلى هم أطفال ونساء. في 110 ألاف مصاب تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية، إلى أن ما لا يقل عن 13 ألف شخص سيكملون حياتهم بإعاقات مستدامة وعاهات بدنية ستعيق معيشهم اليومي. الإصابات الأخرى ستتطلب زمنا قبل التعافي النهائي أو شبه النهائي. هذا في البشر. عن أي انتصار تتحدثون وأنت تقدم قرابة ال50 ألف فلسطيني قربانا للدم مقابل الافراج عن العشرات من سجون إسرائيل ؟ هل تساوي قطرة دم رضيع واحد كل هذا الفرح الكاذب عند ما تبقى من حماس والجماهير المحتشدة خلف شاشات الهواتف الذكية؟

كان هذا عن البشر.. أما في الحجر، فتلك قصة أخرى. البنك الدولي والأمم المتحدة رسما لوحة قاتمة السواد عن الدمار الذي أصاب غزة قبل أسابيع من التوصل لهذا الاتفاق. 82 بالمائة من بيوت غزة دمرت بالآخر، وكل المستشفيات صارت خارج الخدمة ودمرت كليا أو جزئيا. 34 مليون طن من الدمار والمتلاشيات سيأخذ وقت إجلائها عقودا كاملة. 89 في المائة من المدارس تضررت بنسب متفاوتة وكلها خارج الخدمة، و100 في المائة من الأطفال لم يدرسوا منذ أكتوبر 2023. مليون و800 ألف نازج بلا مأوى. 92 في المائة من الطرق خارج الخدمة وغير صالحة لأي استعمال. لحقت أضرار ب72 في المائة من مساحة الأراضي الزراعية في غزة، أي 107 كلم مربع. وبلغت هذه النسبة 82 في المائة في شمال غزة، و57 في المائة في رفح.

هتافات ‘‘الهزائم المنتصرة‘‘ أو ‘‘الانتصارات المهزومة‘‘ ليست مستغربة في بيئة تربت أجيالها على نكران الشجاعة والنظر بواقعية للأمور. حدث ذلك بعد حرب الخليج الأولى عندما رفضت الاعتراف بأن ما جناه صدام على نفسه وشعبه والمنطقة من ويلات كان حماقة لا تغتفر غداة اجتياح الكويت في 2 غشت 1990. حدث ذلك، لاحقا في حرب الخليج الثانية، وحتى عندما كان صدام يساق لحبل المشنقة، ظل فيهم من يردد لقد مات بطلا. حدث ذلك مرات ومرات، في هزائم القاعدة في أفغانستان.. في وفاة بن لادن.. في هزيمة الدواعش في العراق وسوريا.. وحدث أيضا في كل مرة سادت عقلية الدم والهدم في غزة، عندما أصرت جماعة على إقحام الفلسطينيين الأبرياء والعزل في أتون صراعات تعلم مسبقا أن نتائجها المباشرة لن تكون على القادة، بل على البسطاء والنساء والأطفال.

في ‘‘أوديسا‘‘ هوميروس الخالدة، وقف الحكيم أوليس بعد نهاية حرب طروادة على مقدمة باخرته في طريق العودة إلى مملكته إثاكا، يتأمل حجم الخراب الذي حل بالمدينة والدماء التي سالت، بعد حصار دام عشر سنوات، ومات فيه كل الأبطال الذي جاؤوا من كل اليونان لإخضاع المدينة الشهيدة.. ثم قالت قولته الشهيرة متحسرا على ما وقع في وقت كان من المفروض أن يزهو مفتخرا بانتصاره الأخير : ‘‘ أكل هذا.. من أجل هذا ؟‘‘.

ستنتصر غزة حتما.. حين ينتصر فيها الإنسان.